كََمَا أََخْرَجَكَ رَبُّكَ فيه وجْهَانُ «١» أَحَدُهُمَا. أَنْ يَرْتَفِعَ مَحَلُّ الْكَافِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ. هَذِهِ الْحَالُ كَحَالِ إخْرَاجِك. يَعْنِى أَنَّّ حَالَهُمْ فِي كَرَاهَةِ مَا رَأَيْتُ مِنْ تَنْفِيلِ الْغُزَاةِ، مِثْلُ حَالِهِمْ فِي كَرَاهَةِ خُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرُ الْفِعْلِ الْمُقْدَّّرِ فِي قَوْلِهِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أى الأَنْفَالُ اسْتَقَرَّّتُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، وَثَبَتَتْ مَعَ كَرَاهَتِهِمْ ثَبَاتًا مِثْلَ ثَبَاتِ إِخْرَاجِ رَبِّكَ إِيَّاكَ مِنْ بَيْتِكَ وَهُمْ كَارِهُونَ. وَمَِنْ بََيْتِكَ يُرِيدُ بَيْتَهُ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ الْمَدِينَةِ نَفْسَهَا، لِأَنَّهَا مُهَاجِرُهُ وَمَسْكَنُهُ، فَهِيَ فِي اخْتِصَاصِهَا بِهِ كَاخْتِصَاصِ الْبَيْتِ بِسَاكِنِهِ بِِالْحَقِّ أى إِخْرَاجًا مُلْتَبِسًا بِالْحِكْمَةِ وَالصَّوَابِ الَّذِي لَاَ مُحِيدَ عَنْهُ وََإِِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَىْ أَخْرَجَكَ فِي حَالِ كَرَاهَتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ فِيهَا تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ «٢» مَعَهَا أَرْبَعُونَ رَاكِبًا، مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَمْرٌو ابْنُ هِشَامٍ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَعْجَبَهُمْ تَلْقَى الْعِيرَ لِكَثْرَةِ الْخَيْرِ وَقِلَّةِ الْقَوْمِ، فَلَمَّا خَرَجُوا بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنَادَى أَبُو جَهْلٍ فَوْقَ الْكَعْبَةِ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ النِّجَاءِ النَّجَاءَ عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُول، عِيْرُكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إِنْ أَصَابَهَا مُحَمَّدٌ لَنْ تَفْلِحُوا بَعْدَهَا أَبَدًَا، وَقَدْ رَأَتْ أُخْتَ الْعَبَّاسِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رُؤْيَا فَقَالَتْ لِأَخِيهَا: إِنِّى رَأَيْتُ عَجَبًا رَأَيْتَ كَأَنَّّ مِلْكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَذَ صَخْرَةً مِنْ الْجَبَلِ ثُمَّ حَلَقَ بِهَا فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ إِلَّا أَصَابَهُ حَجَرٌ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ. فَحَدَّثَ بِهَا الْعَبَّاسُ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا يَرْضَى رِجَالُهُمْ أَنْ يَتَنَبَّئُوا حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُهُمْ، فَخَرَجَ أَبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمْ النَّفَيْرُ. فِي الْمِثْلِ السَّائِرِ: لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّّ الْعِيرُ أَخَذْتُ طَرِيقَ السَّاحِلِ وَنَجْتُ، فَارْجِعْ بِالنَّاسِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: لاَ وَاَللَّهِ لَاَ يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا حَتَّى نَنْحَرَ الْجَزُورُ، وَنَشْرِبُ الْخَمُورَ، وَنُقِيمُ الْقَينَاتِ وَالْمَعَازِفِ بِبَدْرٍ، فَيَتَسَامَعُ جَمِيعَ الْعَرَبِ بِمُخْرَجِنَا، وَإِنَّ مُحَمَّدًٍا لَمْ يَصِبْ الْعِيرُ، وَإِنَّا قَدْ أَعْضَضْنَاهُ «٣»، فَمَضَى
1 (١) . قال محمود: «في «كما» وجهان، أحدهما: أن يرتفع محل الكاف … الخ» قال أحمد: وكان جدي أبو العباس أحمد الفقيه الوزير رحمه الله يذكر في معنى الآية وجها أوجه من هذين، وهو أن المراد تشبيه اختصاصه عليه السلام بالأنفال، وتفويض أمرها إلى حكمه من حيث الاثابة والجزاء، بإخراجه من بيته مطيعا لله تعالى سامعا لأمره راضيا بحكمه على كراهة المؤمنين لذلك في الطاعة، فشبه الله تعالى ثوابه بهذه المزية بطاعته المرضية، فكما بلغت طاعته الغاية في نوع الطاعات، فكذلك بلغت إثابة الله له الغاية في جنس المثوبات. وجماع هذا المعنى هو المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام «الأجر على قدر النصب» ولك على هذا المعنى أن تجعل الكاف مرفوعة ومنصوبة على حسب التقدير، والله الموفق. (٢) . هذه القصة منتزعة من سيرة ابن هشام إلا قوله «إن في أهل العير عمرو بن هشام فان عمرو بن هشام هو أبو جهل ولم يكن في العير، وإنما كان في النفير وأخرجه الطبري من قول ابن إسحاق، وبعضه عن ابن عباس وعن عروة وعن السدى بتقديم وتأخير وزيادة ونقس وفي مغازي الواقدي عن محمود بن لبيد بعضه. وعن سعيد بن المسبب بعضه. (٣) . قوله «وإنا قد أعضضناه» في الصحاح: أعضضته الشيء فعضه. وفي الحديث «فأعضوه بهن أبيه» ويقال: أعضضته سيفي، أى ضربته به. وأعض القوم. أكلت إيلهم العض، وهو بالضم علف الأمصار، وبالكسر الشوك الصغير. (ع) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout