وَقَوْلُهُ وََكَذِلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ جُمْلةُ مُعْتَرَضٌ بِهَا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى: وَمِثْلُ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ وَالتَّبْصِيرُ نَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ وَنَبَصَرُهُ. مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ: يَعْنِى الرُّبُوبِيَّةَ وَالْإِلَهِيَّةَ وَنَوَفِّقُهُ لِمَعْرِفَتِهَا وَنَرْشِدُهُ بِمَا شَرَحَا صَدْرَهُ وَسَدَّدَنَا نَظَرَهُ وَهَدَيْنَاهُ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ.
وَلْيَكُونَ مِنْ الْمُوَقِّنِينَ: فَعَلْنَا ذَلِكَ. وَنَرَى: حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةً، وَكَانَ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ «١»، فَأَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَهُمْ عَلَى الْخَطَإِ فِي دِينِهِمْ، وَأَنْ يَرْشِدَهُمْ إلَى طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَيَعْرِفُهُمْ أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ مُؤَدٍّّ إلَى أَنْ شَيْأَ مِنْهَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إلَهَا، لِقِيَامِ دَلِيلِ الْحُدُوثِ فِيهَا، وَأَنَّ وَرَاءَهَا مُحْدِثًا أَحْدَثَهَا، وَصَانِعًا صَنْعَهَا، وَمُدَبَّرًٌا دُبُرَ طُلُوعِهَا وَأَفُولُهَا وَانْتِقَالِهَا وَمَسِيرِهَا وَسَائِرِ أَحْوَالِهَا هَذَا رََبِّي قَوْل مَنْ يَنْصِفُ خَصْمُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مُبْطِلٌ، فَيُحْكَى قَوْلُهُ كَمَا هُوَ غَيْرُ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبِهِ. لِأَنَّّ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى الْحَقِّ وَأَنْجَى مِنْ الشَّغْبِ، ثُمَّ يُكَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ فَيُبْطِلُهُ بِالْحُجَّةِ لَا أَُحَِبُّ الْآفِِلِينَ لا أَحِبُّ عُبَادَةَ الأَرْبَابِ الْمُتَغَيِّرِينَ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، الْمُتَنَقِّلِينَ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَانَ، الْمُحْتَجِبِينَ بِسِتْرَ، فَإِنَّّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْرَامِ بَازِِغًَا مُبْتَدِئًا فِي الطُّلُوعِ لَِئِِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي تَنْبِيه لُقَوْمِهِ عَلَى أَنَّّ مَنْ اتَّخَذَ الْقَمَرُ إِلَهَا وَهُوَ نَظِيرُ الْكَوْكِبِ فِي الْأَفُوَلِ، فَهُوَ ضَال، وَأَنَّّ الْهِدَايَةَ إِلَى الْحَقِّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَلَطْفَهُ هَذَا أََكَْبَرُ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ النِّصْفَةِ «٢» أَيْضًُا مَعَ خُصُومِهِ إِِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِن الأَجْرَامِ الَّتِي تَجْعَلُونَهَا شُرَكَاءُ لِخَالِقِهَا إِِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أى للَّذِي دَلَّتُ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنَّهُ مُبْتَدِؤُهَا وَمُبْتَدِعُهَا. وَقِيلَ: هَذَا كَانَ نَظَرُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ فِي نَفْسِهِ، فَحَكَاهُ اللَّهُ.
1 (١) . عاد كلامه قال: «وكان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب … الخ» قال أحمد: والتعريض بضلالهم ثانيًا أصرح وأقوى من قوله أولا لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إنما ترقى إلى ذلك لأن الخصوم قد أقامت عليه الاستدلال الأول حجة، فأنسوا بالقدح في معتقدهم. ولو قيل هذا في الأول، فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض صلوات الله عليهم بأنهم في ضلالة، إلا بعد أن وثق باصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم إلى آخره. والدليل على ذلك أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم والتقريع بأنهم على شرك، حين قيام الحجة عليهم وتبلج الحق وبلغ من الظهور غاية المقصود، والله أعلم. (٢) . عاد كلامه. قال: و«قوله هذا أَكْبَرُ من باب استعمال النصفة أيضًا مع الخصوم … الخ» قال أحمد: وصدق الزمخشري، بل ذلك متعين. وقد ورد الحديث الوارد في الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم عليه السلام فيلتمسون منه الشفاعة، فيقول: نفسي نفسي لا أسأل أحدًا غيرى، ويذكر كذباته الثلاث ويقول: لست لها، يريد قوله لسارة «هي أختى» وإنما عنى في الإسلام. وقوله «إنه سقيم» وإنما عنى همه بقومه وبشركهم، والمؤمن يبقمه ذلك. وقوله «بل فعله كبيرهم» وقد ذكرت فيه وجوه من التعريض، فإذا عد صلوات الله عليه وسلامه على نفسه هذه الكلمات مع العلم بأنه غير مؤاخذ بها، دل ذلك على أنها أعظم ما صدر منه، فلو كان الأمر على ما يقال من أن هذا الكلام محكي عنه على أنه نظر لنفسه، لكان أولى أن يعده أعظم مما ذكرناه لأنه حينئذ يكون شكا بل جزما، على أن الصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout