أَنَّّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ تِلْكَ الْآيَةَ، وَأَنْ صَارِفًا مِنْ الْحِكْمَةِ يَصْرِفُهُ عَنْ إِنْزَالِهَا.
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)
أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مَكْتُوبَةُ أَرْزَاقِهَا وَآجَالُهَا وَأَعْمَالُهَا كَمَا كَتَبْتُ أَرْزَاقُكُمْ وَآجَالُكُمْ وَأَعْمَالُكُمْ مَا فََرَّطْنا ما تَرَكْنَا وَمَا أَغْفَلْنَا فَِي الْكِتابِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظُ مَِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ نَكْتُبْهُ وَلَمْ نَثْبُتْ مَا وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يَعْنِى الأُمَمُ كُلُّهَا مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ فَيُعَوِّضُهَا وَيُنْصِفُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، كَمَا رَوَىَ أَنَّهُ يَأْخُذُ لِلْجَمَاءِ مِنَ الْقُرْنَاءِ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ قِيلَ: إِِلَّا أُمَمٌ مَعَ إِفْرَادِ الدَّابَّةِ وَالطَّائِرِ؟ فَإِنْ قُلْت: لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى وََمَا مَِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ دَالا عَلِى مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ وَمُغْنِيًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: وَمَا مِنْ دَوَابٍّ وَلَاَ طَيْرٍ، حَمَلَ قَوْلُهُ إِِلَّا أُمَمٌ عَلَى الْمَعْنَى، فَإِنْ قُلْت، هَلَّا قِيلَ: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَاَ طَائِرَ «١» إِلَّاَّ أُمِّمَ أَمْثَالِكُمْ؟ وَمَا مَعْنَى زِيَادَةِ قَوْلُهُ فَِي الْأَرْضِ ويَطِيرُ بِجَناحَيْهِ قلت: مَعْنِى ذَلِكَ زِيَادَةُ التَّعْمِيمِ وَالْإِحَاطَةُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فَقَطْ فِي جَمِيعِ الْأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَمَا مِنْ طَائِرٍ قط فِي جَوِّ السَّمَاءِ مِنْ جَمِيعِ مَا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّاَّ أُمِّمَ أَمْثَالِكُمْ مَحْفُوظَةُ أَحْوَالِهَا غَيْرُ مُهْمَلٍ أَمْرَهَا. فَإِنْ قُلْت: فَمَا الْغَرَضُ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ؟ قُلْت: الدَّلَاَلَةُ عَلَى عَظْمِ قُدْرَتِهِ، وَلَطْفَ عِلْمِهِ، وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ وَتَدْبِيرُهُ تِلْكَ الْخَلَائِقِ الْمُتَفَاوِتَةِ الْأَجْنَاسِ، الْمُتَكَاثَرَةُ الْأَصْنَافَ، وَهُوَ حَافِظٌ لِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا، مُهِيمَنَّ عَلَى أَحْوَالِهَا، لَاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَأَنَّّ الْمُكَلَّفِينَ لَيْسُوا بِمَخْصُوصَيْنِ بِذَلِكَ دُونَ مِنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِى عَبْلَةَ: وَلَاَ طَائِرَ، بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَحَلِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ:
ومَا دَابَّةً وَلَاَ طَائِرَ. وَقَرَأَ عَلْقَمَةَ: مَا فَرَطْنَا، بِالتَّخْفِيفِ.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)
فإن قُلت: كَيْفَ أَتْبَعُهُ قَوْلُهُ وََالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِِنا؟ قُلْت: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ خَلَائِقِهِ وَآثَارِ قُدْرَتِهِ مَا يَشْهَدُ لِرُبُوبِيَّتِهِ وَيُنَادَى عَلَى عِظْمَتِهِ قَالَ: وَالْمُكَذِّبُونَ صُمٌّ لاَ يَسْمَاعُونَ كَلَامَ الْمُنْبِهِ
1 (١) . قال محمود: «إن قلت هلا قبل: وما من دابة ولا طائر … الخ» قال أحمد: ولم يبين وجه زيادتها للتعميم. ولقائل أن يقول: يلزم من العموم في أجناس الطير دخول كل طائر في الجو في العموم وإن لم يذكر في الجو، وكذلك يلزم من عموم الدواب في سائر أصنافها أن يندرج في ذلك كل دابة في الأرضين وإن لم يذكر في الأرض، فلا بد من بيان وجه الزيادة فنقول: موقع قوله فِي الْأَرْضِ ويَطِيرُ بِجَناحَيْهِ موقع الوصف العام، وصفة العام عامة ضرورة المطابقة، فكأنه مع زيادة الصفة تظافرت صفتان عامتان، والله أعلم. [.....]
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout