بِالْعَذَابِ، وَإِنْ غَفِرَتْ لَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ لَمْ تَعْدَمْ فِي الْمَغْفِرَةِ وَجْهُ حِكْمَةٍ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرَمٍ فِي الْمَعْقُولِ. بَلْ مَتَى كَانَ الْجَرْمُ أَعْظَمُ جِرْمًا كَانَ الْعَفْوُ عَنْهُ أَحْسَنَ.
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)
قرئ (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ بالرَّفع وَالْإِضَافَةُ. وَبِالنَّصْبِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقَالَ. وَإِمَّا عَلَى أَنَّّ (هَذَا) مُبْتَدَأً، وَالظَّرْفُ خَبَرٌ. وَمَعْنَاهُ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ عِيسَى وَاقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَتْحَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) لأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى مُتَمَكِّنٍ، وَقَرَأَ الأَعْمَشَ: يَوْمَ يَنْفَعُ، بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ) فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ؟ إِن أُرِيدَ صَدْقَهُمْ «١» فِي الْآخِرَةِ فَلَيْسَتْ الْآخِرَةُ بِدَارِ عَمَلٍ، وَإِنْ أُرِيدَ صِدْقَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِمَا وَرَدَ فِيهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالصِّدْقِ فِيمَا يُجِيبُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قُلْت: مَعْنَاهُ الصِّدْقُ الْمُسْتَمِرُّ بِالصَّادِقِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ. وَعَنْ قَتَادَةَ:
مُتَكَلِّمَانِ تَكَلُّمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَمَّّا إِبْلِيسَ فَقَالَ: إِنَّّ اللََّّه وَعَدُكُمْ وَعَدَّ الْحَقِّ، فَصَدَقَ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَاذِبًا، فَلَمْ يَنْفَعْهُ صِدْقُهُ. وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ صَادِقًا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَّاتِ فَنَفَعَهُ صَدْقَهُ.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
فإن قلت: فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْعُقَلَاءُ وَغَيْرُهُمْ، فَهَلَّا غَلَبَ الْعُقَلَاَءِ، فَقِيلَ: وَمَنْ فِيهِنَّّ؟
قُلْت: «َمَا»ٌ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ كُلَّهَا تَنَاوَلَا عَامًّا. أَلا تِرَاكَ تَقُولُ إِذَا رَأَيْتُ شَبْحًَا مِنْ بَعِيدٍ: مَا هُوَ؟
قَبْلُ أَنْ تَعْرِفَ أَعَاقِلُ هُوَ أُمْ غَيْرِهُ، فَكَانَ أَوْلَى بِإِرَادَةِ الْعُمُومِ.
عَنْ رَسُولِ اللََّّه صلى الله عَلَيه وَسَلّمَ «َمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ أَعْطَى مِنَ الأَجْرِ عَشَرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَى عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِى وَنَصْرَانِي يَتَنَفَّسُ فِي الدُّنْيَا»ِ «٢»
1 (١) . قال محمود «إن قلت ما معناه، إن أريد صدقهم في الآخرة … الخ» قال أحمد: ولو أجاب بحمل الصادقين على الدنيا وصدقهم على الآخرة حتى يكون التقدير: هذا يوم ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، لكان أوضح طباقا لتفسير قتادة، وأخرج لإبليس وأشباهه من هذا العموم فان إبليس وإن صدق في الآخرة، إلا أنه لم يكن من الصادقين في الدنيا، فلم ينفعه صدقه في الآخرة، والوجهان متقاربان. (٢) . تقدم إسناده إلى أبى بن كعب في تفسير آل عمران.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout