وََأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أى وما أُمُّهُ أَيْضًا إِلاَّ كَصَدِيقَةٍ كَبَعْضِ النِّسَاءِ الْمُصْدِّّقَاتِ لِلْأَنْبِيَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ بِهِمْ، فَمَا مَنْزِلَتُهُمَا إِلَّاَّ مَنْزِلَةَ بِشَرِينِ: أَحَدُهُمَا نَبِى، وَالْآخَرُ صَحَابِى. فَمِنْ أَيْنَ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ أَمْرَهُمَا حَتَّى وَصَفْتُمُوهُمَا بِمَا لَمْ يُوصَفْ بِهِ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَصَحَابَتِهِمْ؟ مَعَ أَنَّهُ لَا تُمَيِّزُ وَلَا تَفَاوُتُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْدِهِمَا عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ كَانَا يََأَْكُِلانِ الطَّعامَ لأنّ مَنْ احْتَاجَ إِلَى الِاغْتِذَاءِ بِالطَّعَامِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْهَضْمِ وَالنَّفْضِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنْ عَظْمٍ وَلَحْمٍ وَعُرُوقٍ وَأَعْصَابٍ وَأَخْلَاطٍ وَأَمْزَجَةٍ مَعَ شَهْوَةٍ وَقَرَّمٍ «١» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَصْنُوعٌ مُؤَلِّفٌ مُدَبَّرٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجْسَامِ كََيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أى الأَعُلامُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ أََنَّى يُؤْفَكُونَ كَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنِ اسْتِمَاعِ الْحَقِّ وَتَأَمَّلْهُ. فَإِنْ قُلْتَ:
مَا مَعْنَى التَّرَاخِي فِي قَوْلِهِ ثُمَّ اُنْظُرْ؟ «٢» قُلْت: مَعْنَاهُ مَا بَيْنَ الْعَجْبَيْنِ، يَعْنِى أَنَّهُ بَيْنَ لَهُمْ الْآيَاتِ بَيَانًِا عَجِيبًٌا، وَأَنَّّ إِعْرَاضَهُمْ عَنْهَا أَعْجَبُ مِنْهُ.
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)
ما لا يَمْلِكُ هو عِيسى، أَى شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُضُرَّكُمْ بِمِثْلِ مَا يَضُرُّكُمُ بِهِ اللََّّه مِنَ الْبَلَايَا وَالْمَصَائِبِ فِي الأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَا أَنْ يَنْفَعَكُمْ بِمِثْلِ مَا يَنْفَعُكُمْ بِهِ مِنْ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ وَالسَّعَةِ وَالْخَصْبِ، وَلِأَنَّّ كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُهُ الْبَشَرُ مِنْ الْمُضَارِّّ وَالْمَنَافِعِ فَبِإِقْدَارِ اللََّّه وَتَمْكِينِهِ، فَكَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًٌا. وَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ مُنَافٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، حَيْثُ جَعَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ ضَرًًّا وَلَا نَفْعًَا.
وَصِفَةَ الرَّبِّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًٌا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَلَى قُدْرَتِهِ وََاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ مُتَعَلِّقُ ب أَتَعْبُدُونَ، أَىْ أَتَشْرِكُونَ بِاللََّّهِ وَلاَ تَخْشُونَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ مَا تَقُولُونَ وَيَعْلَمُ مَا تَعْتَقِدُونَ أَوْ أَتَعْبُدُونَ الْعَاجِزَ وَاللََّّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ كُلَّ مَسْمُوعٍ وَيَعْلَمُ كُلُّ مَعْلُومٍ، وَلَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إِلَّاَّ وَهُوَ حَى قَادِر.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)
1 (١) . قوله «وقرم» في الصحاح «القرم» بالتحريك: شدة شهوة اللحم. (ع) (٢) . قال محمود: «فان قلت ما معنى التراخي في قوله ثم انظر … الخ» قال أحمد: ومنه (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) وقوله: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) وهي في سائر هذه المواضع منقولة من التراخي الزمانى إلى التراخي المعنوي في المراتب.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout