قُلْت: إمَّا الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فََلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَالْفَاءُ لَتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ ثُمَّ الْجُمْلَةُ كَمَا هِيَ خَبَرٌ إِنَّ، وَإِمَّا النَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ اسْمٍ إِنَّ وَمَا عَطِفَ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَانَ قُلْت: فَأَيْنَ الرَّاجِعُ إِلَى اسْمٍ إِنَّ؟ قُلْت: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مِنْ آمَنَ مِنْهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَقُرِئَ: وَالصَّابِيُّونَ، بَيَاءٌ صَرِيحَةً، وَهُوَ مِنْ تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ، كَقِرَاءَةِ مِنْ قُرَأَ:
يَسْتَهْزِيونَ. وَالصَّابُونَ. وَهُوَ مِنْ صُبُوتٍ، لِأَنَّهُمْ صَبُّوا إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ فِي دِينِهِمْ وَلَمْ يَتَّبِعُوا أَدِلَّةَ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِىّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَالصَّابِئِينَ، بِالنَّصْبِ. وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللََّّه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ.
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)
لَقَدْ أَخَذْنا مِيْثَاقُهُمْ بِالتَّوْحِيدِ وََأََرِْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ليَقْفُوهُمْ عَلَى مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذُرُّونَ فِي دِينِهِمْ كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ جُمْلَةُ شَرْطِيَّةً وَقَعَتْ صِفَةً لِرُسْلا، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ أَىُّ رَسُولٍ مِنْهُمْ بِِمَا لاَ تََهْوِى أَنْفُسُهُمْ بِمَا يُخَالِفُ هَوَاهُمْ وَيُضَادُّ شَهَوَاتُهُمْ مِنْ مَشَاقِ التَّكْلِيفِ وَالْعَمَلِ بِالشَّرَائِعِ. فَإِنْ قُلْتَ: أَيْنَ جَوَابُ الشَّرْطِ «١» فَإِنَّ قَوْلَهُ: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) ناب عَنِ الْجَوَابِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ أَنْ تَقُولَ إِنْ أَكْرَمْتُ أَخِى أَخَاكَ أَكْرِمْتُ؟ قُلْتَ:
هُوَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) كأَنَّهُ قِيل: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ نَاصِبُوهُ، وَقَوْلُهُ: (فَرِيقًا كَذَّبُوا) جَوابُ مُسْتَأْنِفٌ لِقَائِلٍ يَقُولُ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسْلِهِمْ؟ فَإِنْ قُلْت: لَمَ جَيْءَ بِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ مَاضِيًا «٢» وَبِالْآخَرِ مُضَارِعًا؟ قُلْت: جَيْءٌ يَقْتُلُونَ عَلَى حِكَايَةِ
1 (١) . قال محمود: «إن قلت أين جواب الشرط … الخ» قال أحمد: ومما يدل على حذف الجواب أنه جاء ظاهرًا في الآية الأخرى، وهي توأمة هذه قوله تعالى: (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) فأوقع قوله: (اسْتَكْبَرْتُمْ) جوابا، ثم فسر استكبارهم وصنيعهم بالأنبياء بقتل البعض وتكذيب البعض. ولو قدر الزمخشري هاهنا الجواب المحذوف مثل المنطوق به في أخت الآية فقال: وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، لكان أولى لدلالة مثله عليه. (٢) . عاد كلامه. قال: «فان قلت لم جيء بأحد الفعلين ماضيا … الخ» قال أحمد: أو يكون حالا على حقيقته لأنهم داروا حول قتل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد قيل هذا الوجه في أخت هذه الآية في البقرة. وقد مضى وجه اقتضاء صيغة الفعل المضارع لاستحضاره دون الماضي وتمثيله بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) فعدل عن فأصبحت إلى فتصبح، تصويرًا للحال واستحضارًا لها في ذهن السامع. ومنه: بأنى قد لقيت الغول يسعى … بسبب كالصحيفة صحصحان فآخذه فأضربها فخرت … صريعًا لليدين وللجران وأمثاله كثيرة واللَّه أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout