فِي السُّؤَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَهُ مَاذَا أَُحَِلَّ لَهُمْ كأَنَّه قِيل: يَقُولُونَ لَكَ مَاذَا أَحَلَّّ لَهُمْ. وَإِنَّمَا لَمْ يُقُلْ: مَاذَا أَحَلَّّ لَنَا، حِكَايَةٌ لِمَّا قَالُوهُ لِأَنَّّ يَسْأَلُونَكَ بِلَفْظِ الْغِيْبَةِ، كَمَا تَقُولُ أَقْسِمُ زَيْدٌ لِيَفْعَلَنَّ. وَلَوْ قِيلَ: لَأَفْعَلَنَّّ وَأَُحِِلَّ لنا، لَكَانَ صَوَابًا. وَ«َمَاذَا»ُ مُبْتَدَأً، وَ(أُحِلَّ لَهُمْ) خَبَره كَقَوْلِكِ: أَىُّ شَيْءٍ أَحِلَّ لَهُمْ؟ وَمَعْنَاهُ: مَاذَا أَحِلَّ لَهُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ كَأَنَّهُمْ حِينَ تَلا عَلَيْهِمْ مَا حَرَّّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَبِيثَاتِ الْمَآكِلِ سَأَلُوا عَمَّا أَحَلَّّ لَهُمْ مِنْهَا، فَقِيلَ: أَُحِِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ أى ما لَيْسَ بِخَبِيثٍ مِنْهَا، وَهُوَ كُلُّ مَا لَمْ يَأْتِ تَحْرِيمُهُ فِي كِتَابٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ قِيَاسٍ مُجْتَهِدٍ. وََما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ عَطف عَلِى الطَّيِّبَاتِ «١» أَىُّ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتِ وَصَيْدَ مَا عَلِمْتُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. أَوْ تَجْعَلُ (مَا) شَرْطِيَّةً، وَجَوَابُهَا (فَكُلُوا) والجُوَارِح: الْكَوَاسِبُ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمْرِ وَالْعِقَابِ وَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينَ. وَالْمُكَلَّبِ: مُؤَدَّّبِ الْجَوَارِحِ وَمُضَرِّيهَا بِالصَّيْدِ لِصَاحِبِهَا، وَرَائِضِهَا لِذَلِكَ بِمَا عُلِمَ مِنْ الْحِيلِ وَطُرُقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّثْقِيفِ، وَاشْتِقَاقُهِ مِنْ الْكَلْبِ، لِأَنَّ التَّأْدِيبَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْكِلَابِ فَاشْتَقَّ مِنْ لَفْظِهِ لِكَثْرَتِهِ مِنْ جِنْسِهِ. أَوْ لِأَنَّ السَّبْعَ يُسَمَّى كَلْبًَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ «َاللَّهُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ كَلْبًٌا مِنْ كِلَاَبِكَ «َ٢»» فَأَكَلَهُ الْأَسَدُ. أَوْ مِنْ الْكَلْبِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الضَّرَاوَةِ. يُقَالُ: هُوَ كَلْبٌ بِكَذَا، إِذَا كَانَ ضَارِيًا بِهِ. وَانْتِصَابُ مَُكَلِّبِينَ على الحَال مَنْ عَلِمْتُمْ. فَإِنْ قُلْت. مَا فَائِدَةُ هَذِهِ الْحَالِ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِعَلِمْتُمْ؟ قُلْت: فَائِدَتُهَا أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْلَمُ الْجَوَارِحَ نَحْرِيرًُا فِي عِلْمِهِ مُدْرَّبًا فِيهِ، مَوْصُوفًا بِالتَّكْلِيبِ. وِتُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانِيَةُ أَوْ اسْتِئْنَافً. وَفِيهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ «٣» وَهِيَ أَنَّ عَلَى كُلٍّّ آخُذُ عِلْمًَا أَنْ لَا يَأْخُذَهُ إِلَّاَّ مَنْ أَقْتَلَ أَهْلُهُ عِلْمًَا وَأَنْحَرَهُمْ دِرَايَةً وَأَغْوَصُهُمْ عَلَى لَطَائِفِهِ وَحَقَائِقِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَضْرِبَ إِلَيْهِ أَكْبَادُ الْإِبِلِ.
فَكَمْ مَنْ آخُذَ عَنْ غَيْرِهِ مُتَّقِنٍّ، قَدْ ضَيَّعَ أَيَّامَهُ وَعَضَّ عِنْدَ لِقَاءِ النَّحَارِيرِ أَنَامِلَهُ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من علم التَّكْلِيبِ، لِأَنَّهُ إِلْهَامٌ مِنَ اللََّّه وَمُكْتَسِبٌ بِالْعَقْلِ. أَوْ مِمَّا عَرَفَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوهُ مِنْ اتِّبَاعِ الصَّيْدِ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهِ، وَانْزِجَارِهِ بِزَجْرِهِ. وَانْصِرَافِهِ بِدُعَائِهِ، وَإِمْسَاكِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ.
1 (١) . قال محمود رحمه اللَّه تعالى: «وما علمتم عطفًا على الطيبات … الخ» قال أحمد رحمه اللَّه تعالى: ولقد أحسن في التنبيه على هذا السر الخفي غير أن الحال بأصالتها منتقلة غير لازمة ومقتضى هذا التقرير جعلها من الصفات اللازمة لمعلم الجوارح الثابتة له. (٢) . هو طرف من حديث أخرجه الحاكم. وسيأتى بتمامه في سورة النجم. (٣) . عاد كلامه قال: «وفي قوله تعلمونهن مما علمكم اللَّه فائدة جليلة … الخ» قال أحمد: وفي الآية دليل على أن البهائم لها علم لأن تعليمها معناه لغة تحصيل العلم لها بطرقه خلافا لمنكري ذلك.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout