بَيْنَ كُفْرِهِمْ وَبِهَتِهِمْ «١» مَرْيَم، وَافْتِخَارُهُمْ بِقَتْلِ عِيسَى، عَاقِبْنَاهُمْ. أَوْ بَلْ طَبْعَ اللََّّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وَجَمَعِهُمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وَكَذَا وَكَذَا. وَالْبُهَتَانُ الْعَظِيمُ: هُوَ التَّزْنِيَةُ. فَإِنْ قُلْت: كَانُوا كَافِرَيْنِ بَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، أَعْدَاءً لَهُ، عَامِدِينِ لَقَتْلِهِ، يُسَمُّونَهُ السَّاحِرُ بْنُ السَّاحِرَةِ، وَالْفَاعِلُ بْنُ الْفَاعِلَةِ، فَكَيْفَ قَالُوا (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)؟ قُلت: قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ فِرْعَوْنٍ (إِِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وَيَجُوزُ أَنْ يَضَعَ اللَّه الذَّكر الْحَسَنُ مَكَانَ ذِكَرِهُمْ الْقَبِيحُ فِي الْحِكَايَةِ عَنْهُمْ رَفْعًَا لِعِيسَى عَمَّا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ وَتَعْظِيمًا لِمَّا أَرَادُوا بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) . روى أنّ رَهْطًَا مِنَ الْيَهُودِ سَبُوهُ وَسَبُّوا أَمَّّهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ «َاَللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِى وَبِكَلَّمْتُكَ خَلَّقْتَنِي، اللَّهُمَّ الْعَنَّ مِنْ سَبَنِي وَسَبٍّ وَالدَّتِي»ِ فَمَسِخَ اللَّّه مِنْ سَبّهِمَا قُرْدَةً وَخَنَازِيرَ، فَأَجْمَعَتْ الْيَهُودَ عَلَى قَتْلِهِ، فَأَخْبَرَهُ اللَّّه بِأَنَّهُ يَرْفَعُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَطَهِّرُهُ مِنْ صُحْبَةِ الْيَهُودِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبْهِيٌّ فَيُقْتَلُ وَيَصْلُبُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا فَأَلْقَى عَلَيْهِ شِبْهَهُ فَقَتِلَ وَصُلْبَ. وَقِيلَ: كَانَ رَجُلًاً يُنَافِقُ عِيسَى، فَلَمَّا أَرَادُوا قَتَلَهُ قَالَ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسَى فَرَفَعَ عِيسَى وَأَلْقَى شِبَهَهُ عَلَى الْمُنَافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ عِيسَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ إِلَهُ لَا يَصِحُّ قَتْلُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ قُتَلَ وَصُلْبَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا صَاحِبُنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَجْهُ وَجْهُ عِيسَى وَالْبَدَنُ بَدَنُ صَاحِبِنَا. فَإِنْ قُلْت: شُبِّهَ مُسْنَدٌ إِلَى مَاذَا؟ إِنْ جَعَلْتَهُ مُسْنَدًًا إِلَى الْمَسِيحِ، فَالْمَسِيحُ مُشَبَّهٌ بِهِ وَلَيْسَ بِمُشَبِهٍ، وَإِنْ أَسْنَدْتْهُ إِلَى الْمَقْتُولِ فَالْمَقْتُولُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قُلْت: هُوَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وَهُوَ قَوْلِهِمْ كَقَوْلِكِ خَيْلَ إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَكِنْ وَقَعَ لَهُمْ التَّشْبِيهَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُسْنِدَ إِلَى ضَمِيرِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّّ قَوْلَهُ: إِنَّا قَتَلْنَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَكِنْ شِبَّهَ لَهُمْ مَنْ قَتَلُوهِ إِِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ اسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ، يَعْنِى: وَلَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ وَصَفُوا بِالشَّكِّ وَالشَّكِّ أَنْ لَا يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الْجَائِزَيْنِ «٢»، ثُمَّ وَصَفُوا بِالظَّنِّ وَالظَّنِّ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، فَكَيْفَ يَكُونُونَ شَاكِيْنِ ظَانِينِ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ أَنَّهُمْ شَاكُونَ مَا لَهُمْ مِنْ عِلِمَ قَط، وَلَكِنْ إِنْ لَاحَتْ لَهُمْ أَمَارَةٌ فَظَنُّوا، فَذَاكَ وََمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا وَمَا قَتَلُوهُ قَتْلا يُقِينًِا. أَوْ مَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ، كَمَا ادَّّعَوَا
1 (١) . قوله «وبهتهم مريم» أى رميها بما ليس فيها، وهو التزنية. أى الرمي بالزنا. (ع) [.....] (٢) . قال محمود: «إن قلت قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح … الخ» قال أحمد: وليس في هذا الجواب شفاء للغليل. والظاهر واللَّه أعلم أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك في أمره والتردد فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم ثم كانوا لا يخلون من ظن في بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرفعون إلى العلم فيه البتة وكيف يعلم الشيء على خلاف ما هو به فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة في الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن البتة، واللَّه أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout