وَاللَّيَالِي لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ تَهْلِيلَةً وَلَا تَسْبِيحَةً وَلَا تَحْمِيدَةً، وَلَكِنَّ حَدِيثَ الدُّنْيَا يَسْتَغْرَقُ بِهِ أَوْقَاتُهُ لَا يُفْتَرُ عَنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْقِلَّةِ الْعَدَمَ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى الْمُرَاءَاةِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الرُّؤْيَةِ؟
قُلْت: فِيهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَائِى يُرِيهِمْ عَمَلَهُ وَهُمْ يَرَوْنَهُ اسْتِحْسَانُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفَاعَلَةِ بِمَعْنَى التَّفْعِيلِ، فَيُقَالُ: رَاءَى النَّاسِ. يَعْنِى رَآهُمَ، كَقَوْلِك: نَعَمْهُ وَنَاعِمُهُ، وَفَنَقَهُ وَفَانَقَهُ «َ١» وَعَيْشٌ مُفَانِقً. رَوَى أَبُو زَيْدٍ: رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، إِذَا أَمْسَكْتْهَا لِتَرَى وَجْهَهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِى إِسْحَاقَ: يَرْأُونَهُمْ بِهَمْزَةٍ مُشَدَّّدَةً: مَثَلً. يَرْعُونَهُمْ، أَىْ يُبْصِرُونَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَيُرَاءُونَهُمْ كَذَلِكَ مُذََّبْذَبِينَ إِمّا حَالَ نَحْوِ قَوْلِهِ: (وَلا يَذْكُرُونَ)
عن واو يرَاؤُن، أَىُّ يُرَاءُونَهُمْ غَيْرَ ذَاكِرِيْنِ مُذْبَذِبِينَ، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الذِّمِّ. وَمَعْنًى (مُذَبْذَبِينَ) ذَبَذَبهُمْ الشَّيْطَانُ وَالْهَوَىُّ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَهُمْ مُتَرَدِّّدُونَ بَيْنَهُمَا مُتَحَيِّرُونَ. وَحَقِيقَةُ الْمُذْبَذِبِ الَّذِي يَذِبُ عَنْ كِلَا الْجَانِبَيْنِ أَىْ يُذَادُ وَيَدْفَعُ فَلَا يُقَرُّّ فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، كَمَا قِيلَ: فُلَاَنٌ يُرْمَى بِهِ الرِّحْوَانُ «٢»، إِلاَّ أَنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيهَا تَكْرِيرٌ لَيْسَ فِي الذَّبِّ كَأَنَّ الْمَعْنَى: كُلَّمَا مَالَ إِلَى جَانِبِ ذَبٍّ عَنْهُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (مُذَبْذَبِينَ) بكَسرِ الذَّال، بِمَعْنًى يَذْبَذِبُونَ قُلُوبَهُمْ أَوْ دِينَهُمْ أَوْ رَأْيِهُمْ. أَوْ بِمَعْنَى يَتَذَبَذِبُونَ. كَمَا جَاءَ: صَلْصَلٌ وَتَصَلَصِلُ بِمَعْنًى. وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللََّّه. مُتَذَبِّذِبِينِ. وَعَنْ أَبِى جَعْفَرٍ: مُدْبَدَبِينَ، بِالدَّالِ غَيْرُ الْمُعْجَمَةِ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى: أَخَذَ بِهِمْ تَارَةً فِي دُبَّةٍ وَتَارَةً فِي دُبَّةٍ، فَلَيْسُوا بِمَاضِينَ عَلَى دُبَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَالدُّبَّةُ: الطَّرِيقَةُ وَمِنْهَا: دُبَّةُ قُرَيْشٍ. وَذَلِِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ لَاَ إِِلَى هُؤُُلاَءِِ لاَ مَنْسُوبِيْنَ إِلَى هَؤُلَاَءِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ وََلاَ إِِلى هُؤُلاَءِ وَلاَ مَنْسُوبِيْنَ إِلَى هَؤُلَاَءِ فَيُسَمُّونَ مُشْرِكِينَ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤)
لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ لا تَتَشَبِهُوا بِالْمُنَافِقِينَ فِي اِتِّخَاذِهِمْ الْيَهُودَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَاَمِ أَوْلِيَاءُ سُلْطانًا حُجَّةَ بَيِّنَةً، يَعْنِى أَنَّ مُوَالَاَةَ الْكَافِرِينَ بَيِّنَةٌ عَلَى النَّفَاقِ. وَعَنْ صَعْصَعَةِ ابْنِ صُوحَانَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ أَخٍ لَهُ: خَالِصَ الْمُؤْمِنِ، وَخَالِقَ الْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ فَانَ الْفَاجِرُ يَرْضَى مِنْكَ بِالْخَلْقِ الْحَسَنَ، وَإِنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أَنَّ تُخَالِصَ الْمُؤْمِنَ.
1 (١) . قوله «وفنقه وفانقه» في الصحاح أنهما بمعنى: أى نعمه. (ع) (٢) . قوله «يرمى به الرحوان» في الصحاح الرحى معروفة، والألف منقلبة من الياء. تقول: هما رحيان. وفيه أيضًا، رحت الحية ترحو، إذا استدارت. والرحي: قطعة من الأرض تستدبر وترتفع على ما حولها. ورحى القوم: سيدهم. والأرحاء: الأضراس. والأرحاء: القبائل التي تستقل بنفسها وتستغني عن غيرها اه. وظاهره أن الرحى هنا وادى، فليحرر. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout