افْتَتَحَ سُبْحَانَهُ بِذِكْرِ الَّذِينَ أَخْلَصُوا دِيْنَهُمْ لِلَّه وَوَاطَأَتْ فِيهِ قُلُوبُهُمْ أَلْسِنْتُهُمْ وَوَافَقَ سَرّهَمٌ عَلَنَهُمْ وَفِعْلَهُمْ قَوْلُهُمْ. ثُمَّ ثَنَى بِاَلَّذِينَ مَحْضُوا الْكُفْرَ ظَاهِرًٌا وَبَاطِنًَا قُلُوبًا وَأَلْسِنَةَ. ثُمَّ ثُلُثَ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَأَبْطَنُوا خِلَافَ مَا أَظْهَرُوا وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِم:
(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ) وَسَمَّاهُمُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا أَخْبَثَ الْكُفْرَةِ وَأَبْغَضُهُمْ إِلَيْهِ وَأَمَقْتُهُمْ عِنْدَهُ لِأَنَّهُمْ خَلَطُوا بِالْكُفْرِ تَمْوِيهًُا وَتَدْلِيسًَا، وَبِالشِّرْكِ اسْتِهْزَاءً وَخُدَاعًا. وَلِذَلِكَ أُنْزِلَ فِيهِمْ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ووصَف حَال الَّذِينَ كَفَرُوا فِي آيَتَيْنِ، وَحَالَ الَّذِينَ نَافِقُوا فِي ثَلَاَثِ عَشَرَةَ آيَةً، نَعَى عَلَيْهِمْ فِيهَا خُبَثَهُمْ وَمُكْرَهُمٌ، وَفَضَحَهُمْ وَسَفَهَهُمْ، وَاسْتَجْهَلَهُمْ وَاسْتَهْزَأَ بِهِمْ، وَتَهَكُمَ بِفِعْلِهِمْ، وَسَجَلَ بِطُغْيَانِهِمْ، وَعَمَّهِهِمْ وَدَعَاهُمْ صَمًّا بِكَمَا عَمِيًا، وَضَرَبَ لَهُمْ الْأَمْثَالُ الشَّنِيعَةَ. وَقِصَّةُ الْمُنَافِقِينَ عَنْ آخِرِهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى قِصَّةِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَا تَعْطَفُ الْجُمْلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَأَصْلِ (ناسٍ) أُنَاسٍ، حَذَفَتْ هَمْزْتَهُ تَخْفِيفًا كَمَا قِيلَ: لُوقَةً، فِي أُلُوقَةٍ «َ١» . وَحَذْفُهَا مَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ كَاللَّازِمِ لَاَ يَكَادُ يُقَالُ الْأُنَاسُ. وَيَشْهَدُ لِأَصْلِهِ إِنْسَانٌ وَأُنَاسٌ وَأُنَاسِى وَإِنْسَ.
وَسَمُّوا لِظُهُورِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُؤْنِّسُونَ أَىْ يُبْصِرُونَ، كَمَا سَمَّى الْجِنُّّ لِاجْتِنَانِهِمْ. وَلِذَلِكَ سَمُّوا بِشَرًَا.
وَوَزْنَ نَاسٍ فَعَالَ لِأَنَّ الزِّنَةَ عَلَى الْأُصُولِ. أَلَا تِرَاكَ تَقُولُ فِي وَزْنِ «َقْهِ»ِ افْعَلْ، وَلَيْسَ مَعَكَ إِلَّا الْعَيْنَ وَحْدَهَا؟ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَمْعِ كَرِخَالٍ «٢» . وَأَمَّا نَوَيْسُ فَمِنْ الْمَصْغِرِ الْآتِي عَلَى خِلَافِ مُكَبَّرِهِ كَأَنَيسَيَانِ وَرُوَيْجُل. وَلَامُ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَارَّّ ذَكَرَهُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ. وَهُمْ عَبْدُ اللََّّه بْنُ أَبِىّ وَأَصْحَابِهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ التَّصْمِيمِ عَلَى النَّفَاقِ. وَنَظِيرُ مَوْقِعِهِ مَوْقِعُ الْقَوْمِ فِي قَوْلِكَ: نَزَلَتْ بِبَنِي فُلَانٍ فَلَمْ يُقْرُوْنِى وَالْقَوْمُ لِئَامَ.
وَمَنْ فِي مََنْ يََقُُولُ مَوْصُوفَةَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمِنَ النَّاسِ نَاسٌ يَقُولُونَ كَذَا، كَقَوْلِهِ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالً) إِنْ جُعَلْتُ اللَّامَ لِلْجِنْسِ. وَإِنْ جَعَلْتَهَا لِلْعَهْدِ فَمَوْصُولَةً، كَقَوْلِهِ: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) . فَإِنَّ قُلْت: كَيْفَ يَجْعَلُونَ بَعْضَ أُولَئِكَ وَالْمُنَافِقُونَ غَيْرَ الْمَخْتُومِ عَلَى قُلُوبِهِمْ؟
قُلْت: الْكُفْرُ جَمْعَ الْفَرِيقَيْنِ مَعًَا وَصِيَّرَهُمْ جِنْسًٌا وَاحِدًًا. وَكَوْنُ الْمُنَافِقِينَ نَوْعًا مِنْ نَوْعِي هَذَا
1 (١) . قوله «كما قيل لوقة في ألوقة» اللوقة والألوقة: الزبدة. أفاده الصحاح (ع) (٢) . قوله «من أسماء الجمع كرخال» الرخل- بالكسر-: الأنثى من ولد الضأن، والجمع رخال بالكسر، وبالضم كذا في الصحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout