مِثْلُ تِلْكَ الْآي الْمُتْلُوِّّة. قُلْت: قَدْ مَرَّّ لِي أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْتَدَأَ عَقِيبَ الْمُتَّقِينِ سَبِيلُهُ الِاسْتِئْنَافُ، وَأَنَّهُ مَبْنًىّ عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالٍ، فَذَلِكَ إدْرَاجٌ لَهُ فِي حُكْمِ الْمُتَّقِينَ، وَتَابِعٌ «َ١» لَهُ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مُبْتَدَأً فِي اللَّفْظِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَالْجَارَى عَلَيْهِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِمْ نَاسٌ بِأَعْيَانِهِمْ كَأَبِى لَهَبٍ وَأَبَى جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ مُتَنَاوِلًا كُلَّّ مَنْ صَمَّمَ عَلَى كُفْرِهِ تَصْمِيمًا لَا يَرْعَوَى بَعْدَهُ «َ٢» وَغَيْرُهُمْ، وَدَلَّ عَلَى تَنَاوُلِهِ لِلْمُصْرِينَ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ بِاسْتِوَاءِ الْإِنْذَارِ وَتَرْكَهُ عَلَيْهِمْ، وَسَِوَاءًٌ اسْمٌ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَصَفَ بِهِ كَمَا يُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بََيْنَنا وَبَيْنَكُمْ)، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) بمَعْنِى مُسْتَوِيَّةً وَارْتِفَاعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِإِنَّّ، وَأَ أََنَْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
فِي مَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ بِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتُوٍ عَلَيْهِمْ إِنْذَارَكَ وَعَدَمُهُ. كَمَا تَقُولُ: إِنَّّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ.
أَوْ يَكُونُ أَأَنْذَرَتُهُمْ أَمْ لَمْ تَنْذُرْهُمْ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ، وَسَوَاءٌ خَبَرًٌا مُقَدَّّمًا بِمَعْنًى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِإِنَّّ. فَإِنْ قُلْتَ: الْفِعْلُ أَبَدًَا خَبَرٌ لَاَ مُخْبِرٌ عَنْهُ فَكَيْفَ صَحَّّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟ قُلْت: هُوَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ الْمَهْجُورِ فِيهِ جَانِبُ اللَّفْظِ إِلَى جَانِبِ الْمَعْنَى، وَقَدْ وَجَدْنَا الْعَرَبَ يَمِيلُونَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَعَ الْمَعَانِي مِيْلًا بَيْنًَا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:
لا تَأْكُلُ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ، مَعْنَاهُ لَا يَكُنْ مِنْكَ أَكْلَ السَّمَكِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ مِنْ عَطْفِ الِاسْمِ عَلَى الْفِعْلِ. وَالْهَمْزَةِ وَأُمِّ مُجْرَّّدَتَانِ لِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ «َ٣» وَقَدْ انْسَلَخَ عَنْهُمَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ رَأْسًَا. قَالَ سِيبَوَيْهِ: جَرَى هَذَا عَلَى حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا جَرَى عَلَى حَرْفِ النِّدَاءِ قَوْلِكَ: اللَّهُمَّّ اغْفِرْ لَنَا أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ، يَعْنِى أَنَّّ هَذَا جَرَى عَلَى صُورَةِ
1 (١) . قوله «وتابع له في المعنى» لعله واتباع له (ع) (٢) . قوله «بعده وغيرهم» لعله كهؤلاء وغيرهم (ع) (٣) . قال محمود رحمه الله: «والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء … الخ» . قال أحمد رحمه الله: وحاصل هذا النقل استعمال الحرف في أعم معناه، فالهمزة المعادلة لأم موضوعة في الأصل للاستفهام عن أحد متبادلين في عدم علم التعين فنقلت إلى مطلق المعادلة وإن لم يكن استفهاما، واستعملت في الجزء الحقيقي. وكذلك حرف النداء موضوع في الأصل لتخصيص المنادى بالدعاء، ثم نقل إلى مطلق التخصيص ولا نداء، كما يكون المجاز بالتخصيص والقصر مثل تخصيص الدابة بذوات الأربع وإن كانت في الأصل لكل ما دب، فقد يكون بالتعميم والتعدي مثل تسمية الرجل الشجاع أسدًا نقلا لهذا الاسم من موصوف بالشجاعة مخصوص وهو الحيوان المعروف، إلى كل موصوف بتلك الصفة غير مقصورة على محلها الأصلى.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout