وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّّ رَسُولَ اللََّّه صلى الله عليه وسَلم سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ «َإِذَا جَادَتْ لِزَوْجِهَا بِالْعَطِيَّةِ طَائِعَةً غَيْرَ مُكْرَهَةٍ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانٌ وَلَا يُؤَاخِذُكُمْ اللََّّه بِهِ فِي الآخِرَةِ»ِ «١» وَرَوِىَ أَنَّ أُنَاسًا كَانُوا يَتَأَثَّمُونَ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَاقَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى إِنْ طَابَتْ نَفْسٌ وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَلَا خَدِيعَةَ فَكُلُوهُ سَائِغًا هَنِيئًا. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى ضِيقِ الْمُسْلِكِ فِي ذَلِكَ وَوُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ، حَيْثُ بَنَى الشَّرْطُ عَلَى طِيبِ النَّفْسِ فَقِيلَ: فَإِنْ طَبْنَ، وَلَمْ يُقُلْ: فَإِنْ وَهَبَنَ أَوْ سَمِحْنَ، إِعْلَامًا بِأَنَّّ الْمُرَاعَى هُوَ تَجَافَى نَفْسَهَا عَنْ الْمَوْهُوبِ طَيِّبَةً. وَقِيلَ: إِنْ طَبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَمْ يُقُلْ: فَإِنْ طَبْنَ لَكُمْ عَنْهَا، بَعْثًا لَهُنَّ عَلَى تَقْلِيلِ الْمَوْهُوبِ. وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ:
لا يَجُوزُ تَبَرُّعُهَا إِلَّا بِالْيَسِيرِ. وَعَنِ الأَوْزَاعِىِّ: لَا يَجُوزُ تَبَرُّعُهَا مَا لَمْ تَلِدْ أَوْ تَقُمَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِيَنْصَرِفَ إِلَى الصَّدَاقِ الْوَاحِدِ، فَيَكُونُ مُتَنَاوِلًا بَعْضَهُ، وَلَوْ أَنِثَ لِتَنَاوُلَ ظَاهِرُهُ هِبَةُ الصَّدَاقِ كُلُّهِ، لِأَنَّّ بَعْضَ الصَّدَقَاتِ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فَصَاعِدًا. الْهَنِيءَ، وَالْمَرِيءَ: صِفَتَانِ مِنْ هَنُؤِ الطَّعَامَ وَمُرْؤٌ، إِذَا كَانَ سَائِغًٌا لَا تَنْغِيصُ فِيهِ. وَقِيلَ: الْهَنِيءُ: مَا يَلَذُهُ الْآكِلُ. وَالْمَرِيءُ مَا يَحْمَدُ عَاقِبَتَهُ.
وَقِيلَ هُوَ مَا يَنْسَاغُ فِي مَجْرَاهُ. وَقِيلَ لِمَدْخَلِ الطَّعَامِ مِنْ الْحُلْقُومِ إِلَى فَمِ الْمَعِدَةِ «َالْمَرِيءِ»ِ لِمُرُوءِ الطَّعَامِ فِيهِ وَهُوَ انْسِيَاغُهُ، وَهُمَا وَصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، أَى أَكْلًا هَنِيئًا مَرِيئًا، أَوْ حَالٍ مِنْ الضَّمِيرِ، أَى كُلُوهُ وَهُوَ هَنِيءٌ مَرِيءً، وَقَدْ يُوقَفُ عَلَى فَكُلُوهِ وَيَبْتَدَأُ مَرِيئًا عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ أُقِيمَتَا مَقَامَ الْمَصْدَرِينَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: هَنَأَ مَرْأً. وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَإِزَالَةِ التِّبْعَةِ.
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)
السُّفَهاءَ الْمُبْذِّرُونُ أَمْوَالُهُمْ الَّذِينَ يُنْفِقُونَهَا فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَلَا يَدِي لَهُمْ بِإِصْلَاحِهَا وَتَثْمِيرِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا. وَالْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ: وَأَضَافَ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ «َ٢» لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يُقِيمُ بِهِ النَّاسُ مَعَايِشُهُمْ، كَمَا قَالَ: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) الدَّليلُ على أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى قَوْلُهُ: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) . جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا أَى تَقُومُونَ بِهَا وَتَنْتَعِشُونَ، وَلَوْ ضَيَعْتُمُوهَا لَضَعْتُمْ فَكَأَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا قِيَامَكُمْ وَانْتِعَاشُكُمْ. وَقُرِئَ: قِيمًا، بِمَعْنَى قِيَامًا، كَمَا جَاءَ عُوْذًا بِمَعْنَى عِيَاذًا. وَقَرَأَ عَبْدُ اللََّّه بْن عُمَرَ: قُوَامَا، بِالْوَاوِ. وَقُوَّامُ الشَّيْءِ: مَا يُقَامُ بِهِ، كَقَوْلِكَ هُوَ مِلاكُ الْأَمْرِ لِمَا يَمْلِكُ بِهِ. وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: الْمَالَ سِلَاحَ الْمُؤْمِنِ، وَلِأَنْ أَتْرُكَ مَا لَاَ يُحَاسِبُنِي
1 (١) . أخرجه الثعلبي والواحدي في الأوسط من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. (٢) . قال محمود: «المراد أموال السفهاء وأضافها إلى الأولياء … الخ» قال أحمد: ويؤيد هذا المعنى أنه لما أمر باسعاف ذوى القربى على سبيل المواساة قال: وارزقوهم منه، لأن المدفوع إليهم من صلب المال، واللَّه أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout