وَالْمَعْنَى: أَنْتُمْ السَّبَبُ فِيمَا أَصَابَكُمْ، لِاخْتِيَارِكُمْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَدِينَةِ، أَوْ لِتَخَلِّيَتِكُمْ الْمُرْكَزِ.
وَعَنْ عَلِىٍّّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَخْذِكُمْ الْفِدَاءَ مَنْ أُسَارَى بَدْرٍ قَبْلَ أَنْ يُؤَذِّنَ لَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَهُو قَادِرٌ عَلِى النَّصْرِ وَعَلَى مَنْعِهِ، وَعَلَى أَنْ يُصِيبَ بِكُمْ تَارَةً وَيُصِيبُ مِنْكُمْ أُخْرَى وََما أََصَابََكُمْ يَوْمَ أَحَدٍ يَوْمَ الْتَقَى جَمْعَكُمْ وَجَمْعَ الْمُشْرِكِينَ (ف) هُوَ كَائِنٌ (بإِذْنِ اللَّهِ) أَىْ بِتَخْلِيَتِهِ، اسْتَعَارَ الْإِذْنَ لِتَخْلِيَتِهِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُمْ لِيَبْتَلِيَهُمْ، لِأَنَّّ الْآذِنَ مُخِلٌ بَيْنَ الْمَأْذُونِ لَهُ وَمُرَادُهُ وََلِيَعْلَمَ وَهُو كَائِنٌ لِيَتَمَيَّزَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُنَافِقُونَ، وَلْيَظْهَرْ إِيمَانُ هَؤُلَاَءِ وَنِفَاقُ هَؤُلَاَءِ وََقِيلَ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الصِّلَةِ عَطْفٌ عَلَى نَافِقُوا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ فَقَالُوا لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِسُؤَالٍ اقْتَضَاهُ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ إِلَى الْقِتَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا قَالُوا لَهُمْ. فَقِيلَ: قَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَقْتَصِرَ الصِّلَةُ عَلَى: (نَافَِقُوا)
، وَيَكُونُ (وَقِيلَ لَهُمْ) كَلاما مُبْتَدَأً قِسْمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ بَيْنَ أَنْ يُقَاتِلُوا لِلْآخِرَةِ كَمَا يُقَاتِلُ الْمُؤْمِنُونَ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَاتِلُوا إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ غَمُّ الآخِرَةِ «َ١» دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَبَوْا الْقِتَالَ وَجَحَدُوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ رَأْسًًا لِنِفَاقِهِمْ وَدَغَلَهُمْ «َ٢» وَذَلِكَ مَا رَوَىَ أَنَّ عَبْدَ اللََّّهِ بْنِ أَبِىّ انْخَزَلَ مَعَ حُلَفَاَئِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ ذَلِكَ. وَقِيلَ أََوِ ادِّْفَعُوا الْعَدُوّ بِتَكْثِيرِكُمْ سَوَادَ الْمُجَاهِدِينَ وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا لِأَنَّّ كَثْرَةَ السَّوَادِ مِمَّا يَرُوعُ الْعَدُوَّ وَيَكْسَرُ مِنْهُ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ- وَقَدْ كَفَّ بَصَرُهُ-:
لو أَمْكَنَنِى لَبِعْتُ دَارِى وَلَحِقَتْ بِثَغَرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ فَكُنْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ. قِيل: وَكَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَ بَصِرَكَ؟ قَالَ لِقَوْلِهِ: (أَوِ ادْفَعُوا) أرَادُ: كَثُرُوا سَوَادُهُمْ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لََوْ نََعْلَمُ قِتالًا لو نَعْلَمُ مَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى قِتَالًا لَِاتَِّّبَعْناكُمْ يَعْنُونَ أَنَّ مَا أَنْتُمْ فِيهِ لَخَطَإِ رَأْيِكُمْ وَزَلَّلَكُمْ عَنِ الصَّوَابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ لِمِثْلِهِ قِتَالً، إِنَّمَا هُوَ إِلْقَاءٌ بِالْأَنْفُسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، لِأَنَّّ رَأَى عَبْدَ اللََّّه كَانَ فِي الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ يَسْتَصُوبُ الْخُرُوجَ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَعْنِى أَنَّهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانُوا يَتَظَاهَرُونَ بِالْإِيمَانِ وَمَا ظَهَرَتْ مِنْهُمْ أَمَارَةً تُؤْذِّنُ بِكُفْرِهِمْ، فَلَمَّا انْخَزَلُوا عَنْ عَسْكَرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالُوا مَا قَالُوا، تَبَاعَدُوا بِذَلِكَ عَنِ الْإِيمَانِ الْمَظْنُونِ بِهِمْ وَاقْتَرَبُوا مِنْ الْكُفْرِ. وَقِيلَ: هُمْ لِأَهْلِ الْكُفْرِ أَقْرَبُ نُصْرَةً مِنْهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّّ تَقْلِيلَهُمْ سَوَادُ الْمُسْلِمِينَ بِالِانْخِزَالِ تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ يََقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ لا يَتَجَاوَزُ إِيمَانُهُمْ أَفْوَاهُهُمْ وَمَخَارِجُ الْحُرُوفِ مِنْهُمْ وَلَا تَعَى قُلُوبُهُمْ مِنْهُ شَيْئًا. وَذَكَرَ الْأَفْوَاهُ مَعَ الْقُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفَاقِهِمْ، وَأَنَّّ إِيمَانَهُمْ مَوْجُودٌ فِي أَفْوَاهِهِمْ مَعْدُومٌ فِي قُلُوبِهِمْ، خِلَاَفُ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مُوَاطَأَةِ قُلُوبِهِمْ لِأَفْوَاهِهِمْ وََاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ مِنَ النِّفَاقِ، وَبِمَا يَجْرَى بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ ذَمَّّ
1 (١) . قوله «غم الآخرة» لعله هم الآخرة. (ع) (٢) . قوله «ودغلهم» في الصحاح: الدغل- بالتحريك- الفساد، مثل الدخل. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout