إلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّّ صَارِخًٌا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنِهَا»ٍ «١» فَاللََّّه أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّاَّ مَرْيَمَ وَابْنُهَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومِينَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) واسْتهلالُهُ صَارِخًا مَنْ مَسِّهِ تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ، كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أَغْوَيَهِ، وَنَحْوُهُ مِنْ التَّخْيِيلِ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ:
لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا … يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ «٢»
وأَمَّا حَقِيقَةُ الْمَسِّ وَالنَّخْسُ كَمَا يُتَوَهَّمُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَكُلَا، وَلَوْ سَلَّطَ إِبْلِيسَ عَلَى النَّاسِ يَنْخُسُهُمْ لِامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا وَعِيَاطًا مِمَّا يَبْلُونَا بِهِ مِنْ نَخْسِهِ فَِتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها فِي النَّذْرِ مَكَانَ الذَّكَرِ بِقَبُولٍ حَسَنٍ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ اسْمُ مَا تُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ كَالسُّعُوطِ وَاللُّدُودِ، لِمَا يَسْعِطُ بِهِ وَيَلَدُّ، وَهُوَ اخْتِصَاصُهُ لَهَا بِإِقَامَتِهَا مَقَامَ الذِّكَرِ فِي النَّذْرِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَبْلَهَا أُنْثَى فِي ذَلِكَ، أَوْ بِأَنْ تُسَلِّمَهَا مِنْ أُمَّّهَا عَقِيبَ الْوِلَادَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْشَأَ وَتَصْلُحُ لِلسَّدَانَةِ. وَرَوَىَ أَنَّ حِنَّةَ حِينَ وَلَدَتْ مَرْيمً، لَفْتُهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمَلَتُهَا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَضَعْتُهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءُ هَرُونَ، وَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَالْحُجْبَةِ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةَ فَتَنَافَسُوا فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتُ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ، وَكَانَتْ بَنُو مَاثَانَ رُءُوسُ بَنَى إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارِهُمْ وَمُلُوكِهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيّا: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، عِنْدِي خَالَتُهَا «٣» . فَقَالُوا: لاَ حَتَّى نَقْتَرِعَ عَلَيْهَا، فَانْطَلَقُوا- وَكَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ- إِلَى نَهْرٍ، فَأَلْقُوْا فِيهِ أَقْلَامَهُمْ، فَارْتَفَعَ قَلَّمَ زَكَرِيَّا فَوْقَ الْمَاءِ وَرَسَبَتْ أَقْلَامَهُمْ، فَتَكَفَّلُهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًًا عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ بِمَعْنًى: فَتَقْبَلُهَا بِذِي قَبُولِ حَسَنٍ،
1 (١) . قال المصنف: اللَّه أعلم بصحته هكذا قال. والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة في آخره: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) . (٢) . لما تؤذن الدنيا به من صروفها … يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها … لأفسح مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه … بما سوف يلقى من أذاها يهدد لابن الرومي، يقول: إن بكاء الطفل حين ولادته لأجل ما تشعر به الدنيا من حوادثها فقط، وإن لا يكن بكاؤه لذلك، فأى شيء منها يبكيه، أو فأى شيء يبكيه منها، وإنها أى الدنيا. وروى: وإنه، أى الطفل لأفسح موضعا مما كان فيه من ضيق الرحم وأرغد منه. وعوده على ما يبكيه بعيد، أو غير سديد. ويجوز أنه عائد على فضاء الدنيا المعلوم من المقام، ثم قال: إذا أبصرها صرخ، كأنه يخوف بما سوف يناله من أذاها قبل حصوله. (٣) . قوله «أنا أحق بها عندي خالتها» قوله خالتها: يعنى زوجته ايشاع أخت حنة لكن تقدم أنها أخت مريم وقال صلى الله عليه وسلم في يحيى وعيسى هما ابنا خالة وفي أبى السعود قيل في تأويل ذلك أن الأخت كثيرًا ما تطلق على بنت الأخت فجرى الحديث على ذلك وقيل إن ايشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب بأن نكح عمران أم حنة فولدت إيشاع ثم نكح حنة ربيبته فولدت مريم بناء على حل نكاح الربائب عندهم. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout