وَمَا كَانَ مَعَنَا إلَّا فُرْسَانِ: فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ وَفَرَسٍ لِلْمِقْدَادِ الْعَادِِيَاتِِ ضَبْحًا الإِبِلُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى «١»، فَإِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ فَقَدْ اُسْتُعِيرَ الضَّبْحَ لِلْإِبِلِ، كَمَا اُسْتُعِيرَ الْمُشَافِرُ وَالْحَافِرُ لِلْإِنْسَانِ، وَالشُّفَتَانِ لِلْمَهْرَ، وَالثَّفَرِ لِلثَّوْرَةِ «َ٢» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَقِيلَ الضَّبْحُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْفَرَسِ وَالْكَلْبِ وَالثَّعْلَبِ. وَقِيلَ: الضَّبْحُ بِمَعْنَى الضَّبْعِ، يُقَالُ: ضَبِحْتُ الإِبِلَ وَضَبِعْتُ: إِذَا مُدَّتْ أَضْبَاعَهَا فِي السِّيَرِ، وَلَيْسَ بِثُبَتٍ. وَجَمْعٍ: هُوَ الْمُزْدَلِفَةُ. فَإِنْ قُلْت: عَلَامٌ عَطْفٍ فََأَثَرْنَ؟ قُلت: عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي وَضَعَ اسْمُ الْفَاعِلِ مَوْضِعَهُ، لِأَنَّّ الْمَعْنَى: وَاَللَّاتِي عَدُونٌ فَأَوْرَيْنِ، فَأَغْرَنَ فَأَثْرَنَ. الْكُنُودَ: الْكُفُورَ. وَكِنْدَ النِّعْمَةِ كَنُودًا. وَمِنْهُ سَمَّى: كِنْدَةً، لِأَنَّهُ كَنَدَ أَبَاهُ فَفَارَقَهُ. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ: الْكُنُودِ بِلِسَانِ كَنْدَةٍ: الْعَاصِي، وَبُلِسَانِ بَنَى مَالِكٍ: الْبَخِيلِ، وَبِلِسَانِ مُضَرٍّ وَرَبِيعَةَ: الْكُفُورِ، يَعْنِى: أَنَّهُ لَنِعْمَةِ رَبِّهِ خُصُوصًا لِشَدِيدِ الْكُفْرَانِ، لِأَنَّ تَفْرِيطَهُ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَفْرِيطٌ قَرِيبٍ لِمُقَارَبَةِ النِّعْمَةِ، لِأَنَّ أَجَلَّ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ مِثْلِهِ نِعْمَةُ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ عَظَمَاهَا فِي جَنُبِ أَدْنَى نِعْمَةِ اللَّهِ قَلِيلَةً ضَئِيلَةً وََإِِنَّهُ وإِنَّّ الإِنْسَانُ عََلِى ذَلِكَ عَلَى كَنُودِهِ لَِشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَاَ يَقْدِرُ أَنْ يَجْحَدَهُ لِظُهُورِ أَمْرِهِ. وَقِيلَ:
وَإِنَّّ اللَّهُ عَلَى كَنُودِهِ لِشَاهِدٍ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ الْخَيْرِ المَال مِنْ قَوله تَعَالَى إِِنْ تَرَكَ خَيْرًا والشَّدِيد: الْبَخَيْلُ الْمُمْسِكُ. يُقَالُ: فُلَاَنٌ شَدِيدٌ وَمُتَشَدِّّدً. قَالَ طَرْفَةُ:
أَرَى الْمَوْتُ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيُصْطَفَى … عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ «٣»
يَعْنِى: وَإِنَّهُ لِأَجْلِ حَبِّ الْمَالِ وَأَنَّ إنْفَاقَهُ يُثْقُلُ عَلَيْهِ: لِبَخَيْلِ مُمْسِكٍ. أَوْ أَرَادَ بِالشَّدِيدِ: الْقُوَى، وَأَنَّهُ لَحِبِّ الْمَالِ وَإِيثَارُ الدُّنْيَا وَطَلَبِهَا قَوَى مُطِيقً، وَهُوَ لُحِبُّ عِبَادَةُ اللَّهِ وَشُكْرِ نِعْمَتُهُ ضَعِيفٌ مُتَقَاعِسٌ. تَقُولُ: هُوَ شَدِيدٌ لِهَذَا الْأَمْرِ، وَقَوَىّ لَهُ: إِذَا كَانَ مُطِيقًا لَهُ ضَابِطًا. أَوْ أَرَادَ: أَنَّهُ لَحِبِّ الْخَيْرَاتِ غَيْرُ هَشٍّ مُنْبَسِطٌ، وَلَكِنَّهُ شَدِيدٌ مُنْقَبِضٌ بُعْثِرَ بعث. وَقُرِئَ: بَحَثَرٍ، وَبَحْثَ. وَبَحَثَرٍ، وَحَصَلَ: عَلَى بِنَائِهِمَا لِلْفَاعِلِ. وَحَصَلَ: بِالتَّخْفِيفِ. وَمَعْنًى حُصِّلَ جَمع فِي
1 (١) . أخرجه الطبري والحاكم من رواية أبى صخر عن أبى معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وأخرجه الثعلبي وابن مردويه من هذا الوجه. (٢) . قوله «للمهر والثفر الثورة» الثفر السباع كالحياء للناقة، وربما استعير بغيرها. والثورة: تأنيث الثور. قال الأخطل: جزى الله عنا الأعورين ملاحة … وفروة ثفر الثور المتضاجم وفروة: اسم رجل. والمتضاجم: المعوج الفم اه من هامش. (ع) (٣) . لطرفة بن العبد في معلقته. واعتام يعتام اعتياما: اختار اختيارا. والعقيلة من كل شيء: أكرمه. يقول: أرى الموت يختار الكرام فيأخذها، ويصطفى أعز مال البخيل الشديد الإمساك فيبقيه. وقيل: فيأخذه أيضا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout