كَلَّا ردعَهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، وَنَبَّهِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُتَابَ عَنْهُ وَيَنْدَمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ وَعِيدُ الْفَجَّارِ عَلَى الْعُمُومِ. وَكِتَابِ الْفِجَّارِ: مَا يَكْتُبُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتَابِ الْفَجَّارِ بِأَنَّهُ فِي سِجِينٍ، وَفَسَّرَ سِجِينًا بِكِتَابٍ مَرْقُومٍ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ كِتَابَهُمْ فِي كِتَابٍ مَرْقُومٍ، فَمَا مَعْنَاهُ: قُلْت: سِجِّينٍ كِتَابَ جَامِعٍ هُوَ دِيوَانُ الشّرّ: دُوّنَ اللَّهِ فِيهِ أَعْمَالُ الشّيَاطِينَ وَأَعْمَالُ الْكُفْرَةِ وَالْفِسْقَةِ مِنَ الْجِنِّ وَالِانْسِ، وَهُوَ كِتَابٌ مَرْقُومٍ مَسْطُورٌ بَيْنَ الْكِتَابَةِ. أَوْ مُعَلَّمٌ يَعْلَمُ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ مَا كَتَبَ مِنْ أَعْمَالِ الْفِجَّارِ مُثْبِتٌ فِي ذَلِكَ الدِّيوَانِ، وَسَمّى سَجِينًا: فَعِيلًا مِنَ السِّجْنِ، وَهُوَ الْحَبْسُ وَالتَّضْيِيقُ، لِأَنَّهُ سَبَبُ الْحَبْسِ وَالتَّضْيِيقُ فِي جَهَنَّمَ، أَوْ لِأَنَّهُ مَطْرُوحٌ- كَمَا رَوَى تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ فِي مَكَان وَحْشٍ مُظْلِمٍ، وَهُوَ مَسْكَنٌ إِبْلِيسَ وَذُرِّّيَتِهُ اسْتِهَانَةً بِهِ وَإِذَالَةٌ «١»، وَلْيَشْهِدَهُ الشَّيَاطِينَ الْمَدْحُورُونَ، كَمَا يَشْهَدُ دِيوَانُ الْخَيْرِ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّّبُونَ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا سِجِينَ، أَصِفَةً هُوَ أُمُّ اسْمٍ؟ قُلْت: بَلْ هُوَ اسْمُ عِلْمٍ مَنْقُولٌ مِنْ وَصْفٍ كَحَاتِمٍ، وَهُوَ مُنْصَرِفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا سَبَبٌ وَاحِدٍ وَهُوَ التَّعْرِيفُ
[سورة الْمُطفِّفِينِ (٨٣): الآيات ١٠ الى ١٧]
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُِنا قالَ أَساطِِّيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)
الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ مُمَّا وَصِفُّ بِهِ لِلذَّمِّ لَاَ لِلْبَيَانِ، كَقَوْلِكِ فَعَلَ ذَلِكَ فُلَاَنٌ الْفَاسِقُ الْخَبِيثَ كََلَّا ردع لِلْمُعْتَدِى الأَثِيمِ عَنْ قَوْلِهِ رَانََ عََلِى قُلُوبِهِمْ رَكِبُهَا كَمَا يَرْكَبُ الصَّدَأَ وَغَلَبَ عَلَيْهَا:
وَهُوَ أَنْ يَصِرَّ عَلَى الْكَبَائِرِ وَيُسُوِّّفِ التَّوْبَةِ حَتَّى يَطْبَعَ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَاَ يَقْبَلُ الْخَيْرُ وَلَا يَمِيلُ إِلَيْهِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ: الذَّنْبَ بَعْدَ الذَّنْبِ حَتَّى يَسُودَّ الْقَلْبَ. يُقَالُ: رَانَ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وَغَانَ عَلَيْهِ، رِينًا وَغَيْنًا، وَالْغَيْنَ: الْغَيْمَ، وَيُقَالُ: رَانَ فِيهِ النَّوْمُ رُسِخَ فِيهِ، وَرَانَتْ بِهِ الْخَمْرُ: ذَهَبَتْ بِهِ. وَقُرِئَ بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ وَبِالْإِظْهَارِ، وَالْإِدْغَامِ أَجْوَدُ، وَأُمِيلَتُ الْأَلْفَ وَفَخِمْتُ كََلَّا ردع عنْ
1 (١) . قوله «استهانة به وإذالة» أى: إهانة. كما في الصحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout