أَهْلُ الْكِتَابِ، لِأَنَّ عِدَّتَهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فِي الْكِتَابَيْنِ، فَإِذَا سَمِعُوا بِمِثْلِهَا فِي الْقُرْآنِ أَيَقِنُوا أَنَّهُ مَنْزِلٌ مِنْ اللَّهِ، وَازْدِيَادِ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا لِتَصْدِيقِهِمْ بِذَلِكَ كَمَا صَدَّقُوا سَائِرَ مَا أُنْزَلَ، وَلَمَّا رَأَوْا مِنْ تَسْلِيمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَصْدِيقِهِمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: لَمَ قَالَ وََلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالِاسْتِيْقَانُ وَازْدِيَادُ الإِيمَانِ دَالًّا عَلَى انْتِفَاءِ الِارْتِيَابِ؟ قُلْت. لِأَنَّهُ إِذَا جَمَعَ لَهُمْ إثْبَاتُ الْيَقِينِ وَنَفَى الشَّكِّ. كَانَ آكَدُ وَأَبْلَغُ لِوَصْفِهِمْ «َ١» بِسُكُونِ النَّفْسِ وَثَلْجِ الصَّدْرِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِحَالٍ مِنْ عَدَاهُمَ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلِتَخَالُفِ حَالُهُمْ حَالَ الشَّاكِينِ الْمُرْتَابَيْنِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ ذَكَرَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالسُّورَةُ مَكِيَّةً، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفَاقً، وَإِنَّمَا نَجِمَ بِالْمَدِينَةِ؟ قُلْت: مَعْنَاهُ وَلْيَقُولَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَنْجِّمُونَ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وََالْكافِِرُونَ بِمَكَّةَ مَاذَا أََرَادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا وَلَيْس فِي ذَلِكَ إِلَّاَّ إِخْبَارٌ بِمَا سَيَكُونُ كَسَائِرِ الْإِخْبَارَاتِ بِالْغُيُوبِ، وَذَلِكَ لَا يُخَالِفُ كَوْنَ السُّورَةِ مَكِيَّةً. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَضِ: الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ، لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانَ أَكْثَرُهُمْ شَاكِينٌ وَبَعْضُهُمْ قَاطِعِينَ بِالْكَذِبِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ عَلَّلَ جَعْلَهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ بِالِاسْتِيقَانِ وَانْتِفَاءِ الِارْتِيَابِ وَقَوْلُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ مَا قَالُوا، فَهَبَ أَنَّ الِاسْتِيقَانَ وَانْتِفَاءُ الِارْتِيَابِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَا غَرَضَيْنَ، فَكَيْفَ صَحَّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ غَرْضًا؟ قُلْت: أَفَادَتْ اللَّامُ مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، وَلَا يَجِبُ فِي الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ غَرْضًا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِكَ: خَرَجَتْ مِنْ الْبَلَدِ لِمَخَافَةِ الشَّرِّ، فَقَدْ جُعِلَتْ الْمَخَافَةُ عِلَّةً لِخُرُوجِكَ وَمَا هِيَ بِغَرْضِكَ. مَثَلًا تَمْيِيزٌ لِهَذَا، أَوْ حَالٍ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ هَذَِهِ نَاقَِةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً. فَإِنْ قُلْت: لَمْ سَمَّوهُ مَثَلًاً؟ قُلْت: هُوَ اسْتِعَارَةٌ مِنَ الْمِثْلِ الْمَضْرُوبِ. لِأَنَّهُ مِمَّا غَرِبَ مِنْ الْكَلَامِ وَبِدْعَ، اسْتِغْرَابًا مِنْهُمْ لِهَذَا الْعَدَدِ وَاسْتِبْدَاعًا لَهُ. وَالْمَعْنَى: أَىُّ شَيْءٌ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْعَدَدِ الْعَجِيبِ، وَأَى غَرَضٍ قَصْدٍ فِي أَنَّ جَعْلَ الْمَلَائِكَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ لَاَ عِشْرِينَ سَوَاءً، وَمُرَادُهُمْ إِنْكَارُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَ بِهَذَا الْعَدَدِ النَّاقِصِ.
الْكَافِ فِي كََذلِكَ نَصْب، وَذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ مَعْنَى الْإِضْلَالِ وَالْهُدَىَ، أَى:
مِثْلُ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ مِنَ الإِضْلَالِ وَالْهُدَى يَضِلُّ الْكَافِرِينَ وَيُهْدَى الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِى: يَفْعَلُ فِعْلًا حَسَنًا مَبْنِيًّا عَلَى الْحِكْمَةِ وَالصَّوَابِ، فَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ حِكْمَةٌ وَيَذْعَنُونَ لَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ كُلَّهَا حَسَنَةً وَحِكْمَةٌ فَيَزِيدُهُمْ إِيمَانًا، وَيُنْكِرُهُ الْكَافِرُونَ وَيَشْكُونَ. فِيهِ فَيَزِيدُهُمْ كُفْرًا وَضَلَاَلَاَ
1 (١) . قال محمود: «وقوله تعالى وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بعد قوله لِيَسْتَيْقِنَ ليحصل لهم فائدة الجمع بين إثبات اليقين … الخ» قال أحمد: أطلق الغرض على الله عز وجل، مع أنه موهم ولم يرد فيه سماع. وأورده السؤال على قاعدته بعد ذلك كله في أن الله لم يرد من المنافقين والكافرين أقوالهم، وإنما قالوا على خلاف «ما أراد، وقد عرفت فساد القاعدة فأرح فكرك من هذا السؤال. فالكل مراد، وحسبك تتمة الآية كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout