وََلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ؟ قُلت: على قَوْله رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي على حِكَايَةِ كَلاَمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَعْدُ قَالََ وَبَعْدَ الْوَاوِ النَّائِبَةِ عَنْهُ: وَمَعْنَاهُ: قَالَ رَبُّ إِنَّهُمْ عُصَونِي، وَقَالَ: لاَ تَزِدُ الظَّالِمِينَ إِلَّاَّ ضَلَاَلًا، أَى: قَالَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَهُمَا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، لِأَنَّهُمَا مَفْعُولًا «َقَالِ»ٌ كَقَوْلِكَ: قَالَ زَيْدٌ نُودِيٌّ لِلصَّلَاَةِ وَصَلَ فِي الْمَسْجِدِ، تَحْكَى قَوْلَيْهِ مَعْطُوفًا أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ جَازَ أَنْ يُرِيدَ لَهُمْ الضَّلَاَلَ وَيَدْعُو اللَّهَ بِزِيَادَتِهِ؟ قُلْت: الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ: أَنْ يَخْذِلُوا «َ١» وَيَمْنَعُوا الْأَلْطَافَ «َ٢»، لِتَصْمِيمِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَوُقُوعِ الْيَأْسِ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهِ، بَلْ لَا يُحْسِنُ الدُّعَاءُ بِخِلَافِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالضَّلَالِ: الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى وََلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا.
[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٥ الى ٢٧]
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِِلاَّ فاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)
تقديم مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ لُبَيَانَ أَنْ لَمْ يَكُنْ إِغْرَاقُهُمْ بِالطُّوْفَانِ، فَإِدْخَالُهُمُ النَّارُ إِلَّاَّ مِنْ أَجْلِ خَطِيئَاتِهِمْ، وَأَكَدَ هَذَا الْمَعْنَى بِزِيَادَةِ «ِمَا»ٍ وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ خَطِيئَاتِهِمْ مَا أَغْرَقُوا، بِتَأْخِيرِ الصِّلَةِ، وَكَفَى بِهَا مُزْجَرَةً لِمُرْتَكِبِ الْخَطَايَا، فَإِنْ كَفَرَ قَوْمَ نُوحٍ كَانَ وَاحِدَةً مِنْ خَطِيئَاتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ كِبُرَاهِنَّ. وَقَدْ نَعَيْتُ عَلَيْهِمْ سَائِرُ خَطِيئَاتِهِمْ كَمَا نَعَى عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ فِي اسْتِيجَابِ الْعَذَابِ، لِئَلَّا يَتْكِلَ الْمُسْلِمُ الْخَاطِئُ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَيُعْلَمُ أَنَّّ مَعَهُ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعَذَابُ وَإِنْ خَلَا مِنْ الْخَطِيئَةِ الْكُبْرَى. وَقُرِئَ: خَطِيئَاتُهُمْ بِالْهَمْزَةِ. وَخَطِيَاتِهِمْ بِقَلْبِهَا يَاءُ وَإِدْغَامُهَا. وَخَطَايَاهُمْ. وَخَطِيئَتُهُمْ. بِالتَّوْحِيدِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْكُفْرُ فََأَُدْخِلُوا نارًا جَعَلَ دُخُولَهُمْ النَّارَ فِي الْآخِرَةِ كَأَنَّهُ مُتَعَقِّبٌ لِإِغْرَاقِهِمْ، لِاقْتِرَابِهِ، وَلِأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَأَنَّهُ قَدْ كَانَ. أَوْ أُرِيدَ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَمَنْ مَاتَ فِي مَاءٍ أَوْ فِي نَارٍ أَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ وَالطَّيْرَ: أَصَابَهُ مَا يُصِيبُ الْمَقْبُورَ مِنْ الْعَذَابِ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ: كَانُوا يَغْرِقُونَ مِنْ جَانِبٍ وَيُحْرِّقُونَ مِنْ جَانِبٍ. وَتَنْكِيرُ النَّارِ إِمَّا لِتَعْظِيمِهَا، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ أَعَدُّ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ خَطِيئَاتِهِمْ نَوْعًا مِنَ النَّارِ فََلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا تَعْرِيضُ بِاِتِّخَاذِهِمْ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ قَادِرَةِ
1 (١) . قوله «يخذلوا ويمنعوا مبنى على مذهب المعتزلة أنه تعالى لا يريد الشر ولا يفعله، وأجيب: بأنه إنما دعا عليهم بذلك بعد أن أعلمه الله تعالى أنهم لا يؤمنون، حيث قال له: إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وهذا على مذهب أهل السنة الذين أجازوا أنه تعالى يفعل الشر كخلق الضلال في القلب، لأن فعله لا يخلو عن حكمة. (ع) [.....] (٢) . قال محمود: «كيف جاز أن يريد الضلال، وأجاب بأن المراد به منع الألطاف» قلت: هذا على قاعدته.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout