فَإِنْ قُلْت، مَا فَائِدَةُ قَوْلُهُ مَِنْ عَِبَادُِنا؟ قُلْت: لَمَّا كَانَ مَبْنَى التَّمْثِيلِ عَلَى وُجُودِ الصَّلَاحِ فِي الْإِنْسَانِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ الْفَوْزُ وَيَنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ: قَالَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَّادِنَا صَالِحِينَ، فَذَكَرَ النَّبِيِّينَ الْمَشْهُورِينَ الْعِلْمَيْنِ بِأَنَّهُمَا عَبْدَانِ لَمْ يَكُونَا إِلَّا كَسَائِرِ عِبَادِنَا، مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بِالصَّلَاحِ وَحْدَهُ إظْهَارًا وَإِبَانَةً، لِأَنَّ عَبْدًا مِنْ الْعِبَادِ لَا يُرَجَّحُ عِنْدَهُ إلَّا بِالصَّلَاحِ لَا غَيْرَ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ مِمَّا يُرَجِّحُ بِهِ النَّاسُ عِنْدَ النَّاسِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلرُّجْحَانِ عِنْدَهُ. فَإِنْ قُلْت: مَا كَانَتْ خِيَانَتُهُمَا؟ قُلْت: نِفَاقُهُمَا وَإِبْطَانُهُمَا الْكُفْرَ، وَتَظَاهُرُهُمَا عَلَى الرَّسُولَيْنِ، فَامْرَأَةٌ نُوحٌ قَالَتْ لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَامْرَأَةٌ لُوطٍ دَلَّتْ عَلَى ضَيفَانِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخِيَانَةِ الْفُجُورِ لِأَنَّهُ سَمِجَ فِي الطِّبَاعِ نَقِيصَةٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، بِخِلَافِ الْكُفْرِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَا يَسْتَسْمِجُونَهُ بَلْ يَسْتَحْسِنُونَهُ وَيُسَمُّونَهُ حَقًّا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «َمَّا بَغَتْ امْرَأَةٌ نَبِى قَطْ»َ «١» .
[سورة التَّحرِيمُ (٦٦): الآيات ١١ الى ١٢]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِِتِينَ (١٢)
وامرأة فرعُون:: آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ. وَقِيلَ: هِيَ عَمَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ آمَنْتُ حِينَ سَمِعْتُ بِتَلَقُّفٍ عَصَا مُوسَى الْإِفْكِ، فَعَذَّبَهَا فِرْعَوْنَ. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ فِرْعَوْنَ وَتَدَّ امْرَأَتِهِ بِأَرْبَعَةٍ أَوْتَادٍ، وَاسْتَقْبَلَ بِهَا الشَّمْسَ، وَأَضْجَعَهَا عَلَى ظَهْرِهَا، وَوَضَعَ رَحًى عَلَى صَدْرِهَا. وَقِيلَ: أَمَرٌ بِأَنْ تُلْقَى عَلَيْهَا صَخْرَةً عَظِيمَةٌ فَدَعَتْ اللَّهُ فَرْقَى بُرُوحِهَا، فَأُلْقِيْتُ الصَّخْرَةُ عَلَى جَسَدٍ لَاَ رُوحَ فِيهِ.
وعَنِ الْحَسَنِ: فَنَجَّاهَا اللَّهُ أَكْرَمُ نَجَاةً فَرَفَعَهَا إِلَى الْجَنَّةِ فَهِيَ تَأْكُلٌ وَتَشْرَبُ وَتَتَنَعَّمُ فِيهَا. وَقِيلَ:
لِمَا قَالَتْ رَبُّ ابْنُ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: أُرِيْتُ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ يُبْنَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ دُرَّةِ.
وَقِيل: كَانَتْ تُعَذَّبُ فِي الشَّمْسِ فَتَظِلُّهَا الْمَلائِكَةُ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ عِنْدَكَ وَفِي الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ طَلَبَتْ الْقُرْبُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْبُعْدِ مِنْ عَذَابِ أَعْدَائِهِ، ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكَانَ الْقُرْبِ بِقَوْلِهَا فَِي الْجَنَّةِ أَو أَرَادَتُ ارْتِفَاعُ الدَّرَجَةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْ تَكُونَ جَنَّتُهَا مِنَ الْجِنَانِ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَرْشِ وَهِيَ جَنَّاتُ الْمَأْوَى، فَعَبِرْتْ عَنِ الْقُرْبِ إِلَى الْعُرْشِ بِقَوْلِهَا عِنْدَكَ.
مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ مَنْ عَمَل فَرْعَوْنَ. أَوْ مِنْ نَفْسٍ فِرْعَوْنَ الْخَبِيثَةِ وَسُلْطَانُهُ الْغُشُومَ، وَخُصُوصَا
1 (١) . أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن مردويه من طريق عنه في تفسير هود وهنا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout