وَمِنْكُمْ آتٍ بِالْإِيمَانِ «َ١» وَفَاعِلُ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى وََجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وََاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى عَالِم بِكُفْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ عَمَلِكُمَ. وَالْمَعْنَى: هُوَ الَّذِي تَفَضَّلُ عَلَيْكُمْ بِأَصْلِ النِّعَمِ الَّذِي هُوَ الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ عَنِ الْعَدَمِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَنْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ، وَتَكُونُوا بِأَجْمَعِكُمْ عِبَادًا شَاكِرِينَ، فَمَا فَعَلْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكُمْ، بَلْ تَشْعَبْتُمْ شَعْبًا، وَتَفَرَّقْتُمْ أُمْمَا، فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، وَقَدَّمَ الْكُفْرَ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ وَالْأَكْثَرُ فِيهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ بِالْخَلْقِ وَهُمْ الدَّهْرِيَّةُ، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ بِهِ.
فَإِنْ قُلْت: نَعَمْ، إِنَّ الْعِبَادَ هُمْ الْفَاعِلُونَ لِلْكُفْرِ، وَلَكِنْ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ إِذَا خَلَقَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّاَّ الْكُفْرَ وَلَمْ يَخْتَارُوا غَيْرَهُ، فَمَا دَعَاهُ إِلَى خَلْقِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ؟ وَهَلْ خَلْقُ الْقَبِيحِ وَخَلَقَ فَاعِلُ الْقَبِيحِ إِلَّا وَاحِدٌ؟ وَهَلْ مِثْلُهُ إِلَّا مِثْلَ مَنْ وَهَبَ سَيْفًا بَاتِرًا لِمَنْ شَهِرَ بِقَطْعِ السَّبِيلِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّّمَةِ فَقُتِلَ بِهِ مُؤْمِنًا؟ أَمَّا يَطْبِقُ الْعُقَلَاءَ عَلَى ذَمِّ الْوَاهِبِ وَتَعْنِيفِهِ وَالدَّقِّ فِي فُرْوَتِهِ «٢» كَمَا يَذَمُونَ الْقَاتِلَ؟ بَلْ إِنْحَاؤُهُمْ بِاللَّوَائِمِ عَلَى الْوَاهِبِ أَشَدُّ؟ قُلْت: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّّ اللَّهَ حَكِيمٌ عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبِيحِ عَالِمٌ بَغِنَاهُ عَنْهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا حَسَنَةً، وَخَلَقَ فَاعِلُ الْقَبِيحِ فِعْلُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، وَخَفَاءُ وَجْهِ الْحَسَنِ عَلَيْنَا لَا يَقْدَحُ فِي حُسْنِهِ، كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي حُسْنِ أَكْثَرَ مَخْلُوقَاتِهِ جَهِلْنَا بِدَاعِي الْحِكْمَةِ إِلَى خَلْقِهَا بِِالْحَِقِّ بِالْغَرِضِ الصَّحِيحُ وَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَهُوَ أَنَّ جَعَلَهَا مُقَارَّ الْمُكَلَّفِينَ لِيَعْمَلُوا فَيُجَازِيهِمْ وََصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقُرِئ: صُورُكُمْ بِالْكَسْرِ، لِتَشَكِرُوا. وَإِلَيْهِ مَصِيرُكُمْ فَجَزَاؤُكُمْ عَلَى الشُّكْرِ وَالتَّفْرِيطِ فِيهِ. فَإِنْ قُلْت. كَيْفَ أَحْسَنُ صُوَرَهُمْ؟ قُلْت: جَعَلَهُمْ أَحْسَنُ الْحَيَوَانِ كُلُّهُ وَأَبْهَاهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ عَلَى خِلَاَفِ مَا يَرَى مِنْ سَائِرِ الصُّوَرِ. وَمَنْ حَسَنِ صُورَتَهُ
1 (١) . قال محمود: «معناه: فمنكم آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالايمان … الخ» قال أحمد: لقه ركب عمياء وخبط خبط عشواء، واقتحم وعرا: السالك فيه هالك، والغابر فيه عاثر، وإنما ينصب إلى مهاوي الأراك، ويحوم حول مراتع الاشراك، ويبحث ولكن على حتفه بظلفه، ويتحذق وما هو إلا يتشدق، ويتحقق وما هو إلا يتفسق، وهب أنه أعرض عن الأدلة العقلية والنصوص النقلية المتظافرة على أن الله تعالى خالق كل شيء، واطرد له في الشاهد ما ادعاه. ومن مذهبه قياس الغائب على الشاهد، قد التجأ إلى الاعتراف بأن الله خالق العبد الفاعل للقبيح، وأن خلق العبد الفاعل للقبيح بمثابة إعطاء السيف الباتر للرجل الفاجر، وأن هذا قبيح شاهدا، ولا يلزم أن يكون مثله قبيحا في خلق الله تعالى، أفلا يجوز أن يكون منطويا على حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فما يؤمنه من دعوى أن أفعال العبد وإن استقبحها العقلاء مخلوقة لله تعالى، وفي خلقها حكمة استأثر الله بعلمها، وهل الفرق إذا إلا عين التحكم، ونفس اتباع الهوى. هذا ودون تمكنه من اتباع هذه القواعد: أن يمكن من القتاد اختراط، ومن الجمل أن يلج في سم الخياط. (٢) . قوله «والدق في فروته» في الصحاح «الفروة»: جلدة الرأس. والفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة اه. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout