وَقُرِئَ. أُسْوَةٌ وَإِسْوَةٌ. وَهُوَ اسْمُ الْمُؤْتَسَى بِهِ، أَىْ كَانَ فِيهِمْ مَذْهَبُ حَسَنٍ مَرْضًى بِأَنْ يُؤْتَسَى بِهِ وَيَتْبَعُ أَثَرُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ لِكُفَّارِ قَوْمِهِمْ مَا قَالُوا، حَيْثُ كَاشْفُوهُمْ بِالْعَدَاوَةِ وَقَشَرُوا لَهُمْ الْعَصَا، وَأَظْهَرُوا الْبَغْضَاءَ وَالْمُقْتَ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ سَبَبَ عَدَاوَتِهِمْ وَبِغَضَائِهِمْ لَيْسَ إلَّا كُفْرَهُمْ بِاَللَّهِ، وَمَا دَامَ هَذَا السَّبَبُ قَائِمًا كَانَتْ الْعَدَاوَةُ قَائِمَةً، حَتَّى إنْ أَزَالُوهُ وَآمَنُوا بِاَللَّهِ وَحْدَهُ انْقَلَبَتْ الْعَدَاوَةُ مُوَالَاةً، وَالْبَغْضَاءُ مُحَبَّةً، وَالْمُقْتُ مَقَّةً «١»، فَأَفْصَحُوا عَنْ مَحْضِ الْإِخْلَاصِ. وَمَعْنًى كََفَِرْنا بِكُمْ وَبِمَا تَعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: أَنَا لَاَ نَعْتَدِّ بِشَأْنِكُمْ وَلَاَ بِشَأْنِ آلِهَتِكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ عِنْدَنَا عَلَى شَيْءٍ.
فَإِنْ قُلْت: مِمَّ اسْتَثْنَى قَوْلُهُ إِِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ؟ قُلت: مِنْ قَوْلِهِ أَُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأُسْوَةِ الْحَسَنَةَ: قَوْلُهُمْ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتِسُوا بِهِ وَيَتَّخِذُونَهُ سَنَةً يَسْتَنُّونَ بِهَا. فَإِنْ قُلْتَ:
فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ لَِأََسِْتَغْفِرَنَّ لَكَ مُسْتَثْنِى مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ أُسْوَةُ حَسَنَةً، فَمَا بَالُ قَوْلُهُ وََما أََمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وهُو غَيْرُ حَقِيقٍ بِالِاِسْتِثْنَاءِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا؟ قُلت: أَرَادُ اسْتِثْنَاءُ جُمْلَةٍ قَوْلُهُ لِأَبِيهِ، وَالْقَصْدِ إِلَى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَمَا بَعْدَهُ مَبْنًىّ عَلَيْهِ وَتَابِعٌ لَهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَسْتَغْفِرُ لَكَ وَمَا فِي طَاقَتِي إِلَّاَّ الِاسْتِغْفَارَ. فَإِنْ قُلْت: بِمَ اتَّصَلْ قَوْلُهُ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا؟ قُلت: بِمَا قَبْلَ الِاِسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قُولُوا رَبَّنَا، أَمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَقُولُوهُ، وَتَعْلِيمًا مِنْهُ لَهُمْ تَتْمِيمًا لِمَا وَصَاهُمْ بِهِ مِنْ قَطْعِ الْعَلَائِقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ، وَالِائْتِسَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ فِتْنَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا فَرَّطَ مِنْهُمْ. وَقُرِئَ: بُرَآءٍ كَشُرَكَاءَ، وَبَرَاءً كَظِرَافٍ. وَبِرَاءً عَلَى إبْدَالِ الضَّمِّ مِنْ الْكَسْرِ، كَرِخَالٍ وَرُبَابٍ. وَبَرَاءٌ «َ٢» عَلَى الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ. وَالْبَرَاءِ وَالْبَرَاءَةِ كَالظَّمَاءِ وَالظَّمَاءَةِ.
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)
ثم كرّر الحَثُّ عَلى الِاِئْتِسَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُهُ تَقْرِيرًا وَتَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بِهِ مَصْدَرًا بِالْقِسْمِ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي التَّأْكِيدِ، وَأَبْدَلَ عَنْ قَوْلِهِ لَِكُمْ قَوْله لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وََمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فَلَمْ يَتْرَكْ نَوْعًا مِنَ التَّأْكِيدِ إِلَّاَّ جَاءَ بِهِ.
1 (١) . قوله «والمقت مقة» أى: محبة. (ع) (٢) . قوله «كرخال ورباب» في الصحاح: الرخل- بكسر الخاء-: الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حمل، والجمع رخال ورخال أيضا بالضم. وفيه أيضا: «الربى» بالضم على فعلى: الشاة التي وضعت حديثا. وجمعها رباب بالضم. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout