فََلَوْلا تُصَدِّقُونَ تَحْضِيض عَلَى التَّصْدِيقِ: إِمَّا بِالْخَلْقِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُصَدِّّقِينِ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا كَانَ مَذْهَبُهُمْ خِلَافَ مَا يَقْتَضِيهِ التَّصْدِيقُ، فَكَأَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ بِهِ. وَإِمَّا بِالْبَعْثِ، لِأَنَّّ مَنْ خَلَقَ أَوَّلًا لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ أَنْ يُخْلُقَ ثَانِيًا مَا تَُمْنُونَ مَا تَمَنُّونَهُ، أَى: تُقْذِفُونَهُ فِي الْأَرْحَامِ مِنَ النُّطْفِ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَالِ بِفَتْحِ التَّاءِ، يُقَالُ: أَمْنَى النُّطْفَةَ وَمِنَاهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى. تَخْلُقُونَهُ تَقَدِّرُونَهُ وَتَصَوَّّرُونَهُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ تَقْدِيرا وَقَسَّمْنَاهُ عَلَيْكُمْ قِسْمَةُ الرِّزْقِ عَلَى اخْتِلَاَفٍ وَتَفَاوُتْ كَمَا تَقْتَضِيهِ مُشِيئَتَنَا، فَاخْتَلَفَتْ أَعْمَارُكُمْ مِنْ قَصِيرٍ وَطَوِيلٍ وَمُتَوَسِّطٍ.
وَقُرِئَ: قَدَّرْنَا بِالتَّخْفِيفِ. سَبَقْتُهُ عَلَى الشَّيْءِ: إِذَا أَعْجَزْتْهُ عَنْهُ وَغَلَبْتْهُ عَلَيْهِ وَلَمْ تُمَكِنْهُ مِنْهُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ وََما نََحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ أنا قَادِرُونَ عَلِىُّ ذَلِكَ لَاَ تَغْلِبُونَنَا عَلَيْهِ، وَأَمْثَالُكُمْ جَمْعُ مَثَلً: أَىٍّ عَلَى أَنْ نُبْدِلَ مِنْكُمْ وَمَكَانَكُمْ أَشْبَاهُكُمْ مِنَ الْخُلْقِ، وَعَلَى أَنَّ نَُنْشِئَكُمْ
فِي خَلق لاَ تَعْلَمُونَهَا وَمَا عَهِدْتُمْ بِمِثْلِهَا، يَعْنِى: أَنَا نَقْدِرُ عَلَى الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا: عَلَى خَلْقِ مَا يُمَاثِلُكُمْ، وَمَا لَاَ يُمَاثِلُكُمْ، فَكَيْفَ نَعْجِزُ عَنْ إِعَادَتِكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أََمْثَالَكُمْ
جمع مثل، أَى: عَلَى أَنْ نُبْدِلَ وَنُغَيْرُ صِفَاتِكُمْ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا فِي خَلْقِكُمْ وَأَخْلَاقِكُمْ، وَنَنْشِئِكُمْ فِي صِفَاتٍ لَا تَعْلَمُونَهَا.
قُرِئُ النَّشْأَةَ وَالنِّشَاءَةَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ حَيْثُ جَهَّلَهُمْ فِي تَرْكِ قِيَاسِ النَّشْأَةِ الْأُخْرَى عَلَى الْأُولَى.
[سورة الواقِعةِ (٥٦): الآيات ٦٣ الى ٦٧]
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ مِنَّ الطَّعَامِ، أَىُّ: تَبَذِّرُونَ حَبَّهُ وَتَعْمَلُونَ فِي أَرْضِهِ أََأََنَْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تَنْبِتُونَهُ وَتَرُدُّونَهُ نَبَاتًا، يَرِفُ وَيُنَمَّى «١» إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ. وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم:
«َلاَ يَقُولُنَّ أَحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، وَلْيُقُلَّ: حَرَثَتُ»ُ «٢» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَرَأَيْتُمْ إِلَى «٣» قَوْله:
1 (١) . قوله «نبانا يرف وينمى» في الصحاح: رف لونه يرف- بالكسر- برق وتلألأ. وشجر رفيف: إذا تندت أوراقه. (ع) (٢) . أخرجه ابن حبان والبزار والطبراني من طريق مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة بهذا قال: ثم قرأ أبو هريرة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ. (٣) . قوله «قال أبو هريرة: أرأيتم» أى استشهد على الحديث بالآية، وهي قوله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ وقوله «أرأيتم» خطاب لمن يسمع منه، وأراد معنى النظر، فعداء بإلى كقوله أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout