وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يُحْيَونَ اللَّيْلَ مُتَهَجِّدِينَ، فَإِذَا أَسْحَرُوا أَخَذُوا فِي الِاسْتِغْفَارِ، كَأَنَّهُمْ أَسْلَفُوا فِي لَيْلِهِمْ الْجَرَائِمِ. وَقَوْلُهُ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْتَغْفِرُونَ الْأَحْقَّاءَ بِالِاسْتِغْفَارِ دُونَ الْمِصْرِينَ، فَكَأَنَّهُمْ الْمُخْتَصُونَ بِهِ لِاسْتِدَامَتِهِمْ لَهُ وَإِطْنَابُهُمْ فِيهِ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا نَافِيَةً كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَهْجِعُونَ مِنَ اللَّيْلِ قَلِيلًاً، وَيُحْيَونَهُ كُلُّهُ؟ قُلْت: لَاَ، لِأَنَّ مَا النَّافِيَةُ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا. تَقُولُ: زَيْدًا لَمْ أَضْرِبْ، وَلَاَ تَقُولُ. زَيْدًا مَا ضَرَبَتُ:
السَّائِل: الَّذِي يُسْتَجْدِى وََالْمَحْرُومِ الَّذِي يُحْسَبُ غَنِيًّا فَيَحْرُمُ الصَّدَقَةُ لِتَعَفُّفِهِ. وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «َلَيْسَ الْمِسْكِينَ الَّذِي تَرَدَّّهُ الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتُّمْرَتَانِ»ُ قَالُوا: فَمَا هُوَ؟ قَالَ «َاَلَّذِي لَا يَجِدُ وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»ُ «َ١» وَقِيلَ: الَّذِي لَاَ يُنْمَى لَهُ مَالٌ. وَقِيلَ: الْمُحَارِفُ «َ٢» الَّذِي لَاَ يَكَادُ يَكْسُبُ.
[سورة الذَّارِيَاتِ (٥١): الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌِ تَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ وَقُدْرْتُهِ وَحِكْمَتُهُ وَتَدْبِيرُهُ حَيْثُ هِيَ مَدْحُوّةٌ كَالْبِسَاطِ لِمَّا فَوْقَهَا كَمَا قَالَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وفِيها الْمَسَالِكُ وَالْفَجَّاجُ لِلْمُتَقَلِّبِينَ فِيهَا وَالْمَاشِينُ فِي مَنَاكِبِهَا، وَهِيَ مُجْزَأَةٌ: فَمَنْ سَهْلَ وَجَبَلَ وَبَرٍّ وَبَحْرٍ: وَقَطَعَ مُتَجَاوِرَاتٍ: مِنْ صُلْبَةٍ وَرُخْوَةٍ، وَعَذَاةٌ «٣» وَسَبْخَةً، وَهِيَ كَالطَّرُوقَةِ تَلْقَحُ بِأَلْوَانِ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَشْجَارِ بِالثِّمَارِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ وَكلها مُوَافِقَةُ لِحَوَائِجَ سَاكِنَيْهَا وَمَنَافِعِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ فِي صِحَّتِهِمْ وَاعْتِلَالِهِمْ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ الْمُتَفَجِّرَةِ وَالْمَعَادِنِ الْمُفْتِنَةِ وَالدَّوَابِّ الْمُنْبَثَةِ فِي بِرِّهَا وَبَحْرِهَا الْمُخْتَلِفَةِ الصُّوَرُ وَالْأَشْكَالُ وَالْأَفْعَالُ: مِنْ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسَى وَالْهَوَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لِِلْمُوقِنِينَ الْمُوحْدِيْنِ الَّذِينَ سَلَكُوا الطَّرِيقَ السَّوِيُّ الْبُرْهَانِيُّ الْمُوصِلَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ، فَهُمْ نَظَارُونَ بِعُيُونٍ بَاصِرَةٍ وَأَفْهَامٍ نَافِذَةً، كُلَّمَا رَأَوْا آيَةً عَرَفُوا وَجْهُ تَأَمُّلِهَا، فَازْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ، وَإِيقَانًا إِلَى إِيقَانِهِمْ وََفَِي أَنْفُسِكُمْ فِي حَالِ ابْتِدَائِهَا وَتَنْقُلُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَفِي بَوَاطِنِهَا وَظَوَاهِرِهَا مِنْ عَجَائِبِ الْفِطْرِ وَبَدَائِعِ الْخُلْقِ: مَا تَتَحَيَّرُ فِيهِ الْأَذْهَانُ، وَحَسْبُك بِالْقُلُوبِ وَمَا رَكَزَ فِيهَا مِنْ الْعُقُولِ وَخَصَّتْ بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الْمَعَانِي، وَبِالْأَلْسَنَ، وَالنُّطْقِ، وَمُخَارِجِ الْحُرُوفِ، وَمَا فِي تَرْكِيبِهَا وَتَرْتِيبِهَا وَلِطَائِفِهَا: مِنْ الْآيَاتِ السَّاطِعَةِ وَالْبَيِّنَاتِ الْقَاطِعَةِ عَلَى حِكْمَةِ الْمُدَبَّرِ، دَعُ الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَطْرَافِ وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ وَتَأْتِيهَا لِمَا خُلِقَتْ لَهُ، وَمَا سِوَّى فِي الْأَعْضَاءِ
1 (١) . أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة. (٢) . قوله «وقيل المحارف» في الصحاح: رجل محارف، بفتح الراء: أى محدود محروم، خلاف قولك: مبارك اه. (ع) (٣) . قوله «وعذاة» في الصحاح «العذاة»: الأرض الطيبة التربة، والجمع عذوات. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout