الْإِنْسَانُ صُحْبَةٌ لَهَا دَوَامٌ وَلَزَامً، لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ الْمُتَنَدِّّمُ عَلَيْهِ رَاجِعْهُ مِنْ النَّدَامِ: وَهُوَ لَزَامُ الشَّرِيبِ وَدَوَامُ صُحْبَتِهِ. وَمِنْ مَقْلُوبَاتِهِ: أَدْمَنَ الْأَمْرِ أَدَامَهُ. وَمُدِنْ بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ. وَمِنْهُ:
الْمَدِينَةُ وَقَدْ تَرَاهُمْ يَجْعَلُونَ الْهَمَّ صَاحِبًا وَنَجِيًا وَسَمِيرًا وَضَجِيعًا، وَمَوْصُوفًا بِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ صَاحِبُهُ. الْجُمْلَةَ الْمُصْدِّرَةَ بِلَوْ لَا تَكُونُ كَلَامًا مُسْتَأْنِفًا، لِأَدَائِهِ إلَى تَنَافُرِ النَّظْمِ «١»
، وَلَكِنَّ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ حَالًّا مِنْ أَحَدِ الضَّمِيرَيْنِ فِي فِيكُمْ الْمُسْتَتِرِ الْمَرْفُوعَ، أَوْ الْبَارِزُ الْمَجْرُورِ. وَكِلَاهُمَا مَذْهَبُ سَدِيدٍ. وَالْمَعْنَى:
أَنَّ فِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى حَالَةٍ يَجِبُ عَلَيْكُمْ تَغْيِيرُهَا. أَوْ أَنْتُمْ عَلَى حَالَةٍ يَجِبُ عَلَيْكُمْ تَغْيِيرُهَا: وَهِيَ أَنَّكُمْ تَحَاوُلُونَ مِنْهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَوَادِثِ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَعْنِّ لَكُمْ مَنْ رَأَى، وَاسْتِصْوَابَ فِعْلِ الْمِطْوَاعِ لِغَيْرِهِ التَّابِعُ لَهُ فِيمَا يَرْتَئِيهِ، الْمُحْتَذَى عَلَى أَمْثِلَتِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَِعَنِتُّمْ أى لَوقَعْتُمْ فِي الْعَنَتِ وَالْهَلَاَكِ. يُقَالُ: فُلَاَنٌ يَتَعَنْتُ فُلَانًا، أَى: يَطْلُبُ مَا يُؤَدَّّيهِ إِلَى الْهَلَاَكِ. وَقَدْ أَعْنَتَ الْعَظْمَ:
إِذَا هَيْضَ «٢» بَعْدَ الْجَبْرِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ زَيِّنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيقَاعَ بِبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَتَصْدِيقِ قَوْلِ الْوَلِيدِ. وَأَنَّ نَظَائِرَ ذَلِكَ مِنَ الْهِنَاتِ كَانَتْ تُفَرَّطُ مِنْهُمْ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانُوا يُتَصَوَّّنُونَ وَيَزَعُهُمْ جَدِّّهُمْ فِي التَّقْوَى عَنِ الْجِسَارَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وََلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أى إِلى بَعْضكم، وَلَكِنَّهُ أَغَنْتُ عَنْ ذِكْرِ الْبَعْضِ:
صِفَتَهُمْ الْمُفَارَقَةُ لِصِفَةِ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا مِنْ إِيجَازَاتِ الْقُرْآنِ وَلِمَحَاتِهِ اللَّطِيفَةِ، الَّتِي لَاَ يُفْطِنُ لَهَا إِلَّاَّ الْخَوَاصِّ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ: هُمُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقْوَى. وَقَوْلُهُ أَُوَلِئِِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ والْخَطَّابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، أَى: أُولَئِكَ الْمُسْتَثْنُونَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يُصَدَّقُ مَا قُلْتُهُ. فَإِنْ قُلْت: مَا فَائِدَةُ تَقْدِيمُ خَبَرٍ إِنَّ عَلَى اسْمِهَا؟ قُلْت: الْقَصْدُ إِلَى تَوْبِيخِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا اسْتَهْجَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ اسْتَتْبَاعَ رَأَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآرَائِهِمْ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ لِانْصِبَابِ الْغَرَضِ إِلَيْهِ. فَإِنْ قُلْت: فَلَمْ قِيلَ يُطِيعُكُمْ دون: أَطَاعُكُمْ؟ قُلْتَ:
للدَّلاَلَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي إِرَادَتِهِمْ اسْتِمْرَارُ عَمَلِهِ عَلَى مَا يَسْتَصْوبُونَهُ. وَأَنَّهُ كُلَّمَا عَنّْ لَهُمْ رَأَى فِي أَمْرٍ كَانَ
1 (١) . قال محمود: «الجملة المصدرة بلو لا تكون مستأنفة، لأدائه إلى تنافر النظم … الخ» قال أحمد: من جملة هنات المعتزلة: ثلبهم على عثمان رضي الله عنه ووقوفهم عن الحكم بتعنيف قتلته، فضم إلى هذا المعتقد غير معرج عليه: ما أورده الزمخشري في هذا الموضع من حكايات تولية عثمان لأخيه الوليد الفاعل تلك الفعلة الشنعاء عوضا عن سعد بن أبى وقاص أحد الصحابة، وما عرض به من أن بعض الصحابة كان يصدر منهم هنات، فمنها مطالبتهم النبي صلى الله عليه وسلم باتباع آرائهم التي من جملتها تصديق الوليد في الإيقاع ببني المصطلق، فإذا ضممت هذه النبذة التي ذكرها إرسالا إلى ما علمت من معتقده: تبين لك من حال- أعنى الزمخشري- ما لا أطيق التصريح به، لأنه لم يصرح وإنما سلكنا معه سبيل الانصاف ومحجة الانتصاف: نص بنص، وتلويح بتلويح، فنسأل الله العظيم- بعد الصلاة على نبيه محمد خاتم النبيين- أن يرضى عن أصحابه أجمعين، وعنا بهم آمين. (٢) . قوله «إذا هيض بعد الجبر» في الصحاح: هاض العظم يهيضه هيضا: كسره بعد الجبر. وفيه أيضا: جبرت العظم جبرا، وجبر العظم بنفسه جبورا، أى: انجبر. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout