قُلْت: مِنْ حَيْثُ إنَّّ قَوْلَهُمْ هَذَا اسْتِعْجَالٌ مِنْهُمْ بِالْعَذَابِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى بََلْ هُوَ مَا اسِْتَعْجَلْتُمْ بِهِ فقال لهم: لاَ عِلْمَ عِنْدِي بِالْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ تَعْذِيبُكُمْ حِكْمَةُ وَصَوَابًا، إِنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أَدْعُوهُ بِأَنْ يَأْتِيَكُمْ بِعَذَابِهِ فِي وَقْتِ عَاجِلٍ تَقْتَرِحُونَهُ أَنْتُمْ؟ وَمَعْنًى:
وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وقُرِّئ بِالتَّخْفِيفِ: أَنَّ الَّذِي هُوَ شَأْنِى وَشَرْطِي: أَنْ أَبْلِّغَكُمْ مَا أَرْسَلْتُ بِهِ مِنْ الْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ وَالصَّرْفِ عَمَّا يُعْرَّضَكُمْ لِسَخْطِ اللَّهِ بِجَهْدِيٍّ، وَلَكِنَّكُمْ جَاهِلُونَ لَاَ تَعْلَمُونَ أَنَّّ الرُّسُلَ لَمْ يَبْعَثُوا إِلَّاَّ مُنْذِرِينَ لَاَ مُقْتَرِحِينَ، وَلَاَ سَائِلِينَ غَيْرَ مَا أَذِنَ لَهُمْ فِيهِ.
[سورة الأحقَاف (٤٦): الآيات ٢٤ الى ٢٥]
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسِْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)
فَلَمَّا رَأَوْهُ في الضَّمِيرِ وَجْهَانُ: أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَا تَعَدُّنَا، وَأَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا قَدْ وَضَحَ أَمْرُهُ بِقَوْلِهِ عَارَِضًا إِمَّا تَمْيِيزًا وَإِمَّا حَالًّا. وَهَذَا الْوَجْهُ أَعْرَبُ وَأَفْصَحَ. وَالْعَارِضُ: السَّحَابُ الَّذِي يُعْرِضُ فِي أَفْقِ السَّمَاءِ. وَمِثْلُهُ: الْحَبِّى وَالْعِنَانِ، مِنْ حَبًّا وَعَنّْ: إِذَا عَرَضَ. وَإِضَافَةٌ مُسْتَقْبَلٍ وَمُمْطَرٍ مَجَازِيَّةً غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِمَا وَهُمَا مُضَافَانِ إِلَى مَعْرِفَتَيْنِ وَصْفًا لِلنَّكِرَةِ بََلْ هُوَ الْقَوْلُ قَبْلَهُ مُضْمَرً، وَالْقَائِلُ: هُوَدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأً: قَالَ هُوَدٌ، بَلْ هُوَ. وَقُرِئَ: قُلْ بَلْ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ هِيَ رِيحٌ، أَىْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ تَهَلك مَنْ نَفُوسٍ عَادٍ وَأَمْوَالُهُمْ الْجَمُّ الْكَثِيرَ، فَعَبَّرَ عَنِ الْكَثْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقُرِئَ يَدْمُرُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ دَمَرِ دِمَارًا إِذَا هَلَكَ لَاَ تََرَى الْخِطَابَ لِلرَّائِى مَنْ كَانَ. وَقُرِئَ: لَا يَرَى، عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، وَتَأْوِيلُ الْقِرَاءَةِ بِالتَّاءِ وَهِيَ عَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَاَ تَرَى بَقَايًا وَلَاَ أَشْيَاءَ مِنْهُمْ إِلَّاَّ مَسَاكِنَهُمْ. وَمِنْهُ بَيْتٌ ذِى الرَّمَّةِ:
ومَا بَقِيَتُ إِلّا الضُّلُوعَ الْجَرَاشِعَ»َ
وَلَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ. وَقُرِئَ: لاَ تَرَى إِلَّاَّ مَسْكَنَهُمْ، وَلَاَ يَرَى إِلَّاَّ مَسْكَنَهُمْ. وَرَوَىَ أَنَّّ الرِّيحَ كَانَتْ تَحْمِلُ الْفُسْطَاطَ وَالظَّعِينَةَ فَتَرْفَعُهَا فِي الْجَوّ حَتَّى تَرَى كَأَنَّهَا جِرَادَةً. وَقِيلَ:
أَوَّّل مَنْ أَبْصَرَ الْعَذَابَ امْرَأَةً مِنْهُمْ قَالَتْ: رَأَيْتُ رِيحًا فِيهَا كَشَهْبِ النَّارِ. وَرَوَىَ:
أَوّل مَا عَرَفُوا بِهِ أَنَّهُ عَذَابٌ: أَنَّهُمْ رَأَوْا مَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ رِحَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ تَطَيَّرُ بِهِ الرِّيحُ السَّمَاءُ وَالأَرْضَ، فَدَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَغَلِقُوا أَبْوَابَهُمْ، فَقَلِعَتُ الرِّيْحَ
1 (١) . تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة ١٢ فراجعه إن شئت اه مصححه.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout