بَعْدَ تَوَصُّلِ بَرَّّه إلَى جَمِيعِهِمْ؟ قُلْت: كُلُّهُمْ مَبْرُورُونَ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ بَرَّّه، إلَّا أَنَّّ الْبِرَّّ أَصْنَافٌ، وَلَهُ أَوْصَافٍ. وَالْقِسْمَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ تَتَفَاوَتُ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتٍ قَضَايَا الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَيَطِيرُ لِبَعْضِ الْعِبَادِ صِنْفٌ مِنْ الْبِرِّ لَمْ يَطُرْ مِثْلُهُ لِآخَرَ، وَيُصِيبُ هَذَا حَظٌّ لَهُ وَصْفٌ لَيْسَ ذَلِكَ الْوَصْفُ لَحَظِّ صَاحِبِهِ، فَمَنْ قَسَمَ لَهُ مِنْهُمْ مَا لَا يُقْسَمُ لِلْآخَرِ فَقَدْ رَزَقَهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ كَمَا يُرْزِقُ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ وَلَدًا دُونَ الْآخَرِ، عَلَى أَنَّهُ أَصَابَهُ بِنِعْمَةٍ أُخْرَى لَمْ يُرْزِقْهَا صَاحِبُ الْوَلَدِ وََهُوَ الْقَوِيُّ الباهر الْقُدْرَةِ، الْغَالِبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْعَزِيزُ المنِيعُ الَّذِي لاَ يَغْلِبُ.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)
سمى ما يَعْمَلُهُ الْعَامِلُ مِمَّا يَبْغَى بِهِ الْفَائِدَةُ وَالزَّكَاءُ حَرْثًا عَلَى الْمَجَازِ. وَفَرَّقَ بَيْنَ عَمْلَى الْعَامِلِينَ:
بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وَفَقَ فِي عَمَلِهِ وَضُوعَفْتْ حَسَنَاتُهُ، وَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا أَعْطَى شَيْئًا مِنْهَا لَا مَا بِرِيدِهِ وَيَبْتَغِيهِ. وَهُوَ رِزْقُهُ الَّذِي قَسِمَ لَهُ وَفَرَغَ مِنْهُ وَمَالَهُ نَصِيبٌ قط فِي الآخِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي مَعْنَى عَامِلِ الْآخِرَةِ وَلَهُ فِي الدُّنْيَا نَصِيبٌ، عَلَى أَنَّ رِزْقَهُ الْمَقْسُومُ لَهُ وَاصِلٌ إِلَيْهِ لَا مَحَالَةَ، لِلِاسْتِهَانَةِ بِذَلِكَ إِلَى جَنُبِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ زَكَاءِ عَمَلِهِ وَفَوَّزَهُ فِي الْمَآبِ.
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١)
معنى الهمزة فِي أَمْ التَّقْرِيرِ وَالتَّقْرِيعِ. وَشُرَكَاؤُهُمْ: شَيَاطِينَهُمْ الَّذِينَ زَينُوا لَهُمْ الشِّرْكَ وَإِنْكَارَ الْبَعْثِ وَالْعَمَلِ لِلدُّنْيَا، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ غَيْرَهَا وَهُوَ الدَّيْنُ الَّذِي شَرِعْتْ لَهُمْ الشَّيَاطِينَ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ الْإِذْنِ فِيهِ وَالْأَمْرُ بِهِ وَقِيلَ شُرَكَاؤُهُمْ: أَوْثَانُهُمْ. وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مُتَّخِذُوهَا شُرَكَاءَ لِلَّهِ، فَتَارَةً تُضَافُ إِلَيْهِمْ لِهَذِهِ الْمُلَابَسَةِ. وَتَارَةً إِلَى اللَّهِ، وَلَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ وَافْتِتَانِهِمْ: جُعِلَتْ شَارِعَةً لِدَيْنِ الْكُفْرِ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ. وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ أى القَضاء السَّابِقِ بِتَأْجِيلِ الْجَزَاءِ. أَى: وَلَوْلَا الْعِدَّةُ بِأَنَّ الْفَصْلَ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَِقُضِيَ بَيْنَهُمْ أى بَيْنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. أَوْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَشُرَكَائِهِمْ. وَقَرَأَ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: وَأَنَّّ الظَّالِمِينَ، بِالْفَتْحِ عَطْفًا لَهُ عَلَى كَلِمَةِ الْفَصْلِ، يَعْنَى: وَلَوْلَا كَلِمَةَ الْفَصْلِ وَتَقْدِيرُ تَعْذِيبِ الظَّالِمِينَ فِي الْآخِرَةِ، لِقَضَى بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout