(عَفَا اللَّهُ عَنْها) فإِذا تَعَدَّّى إِلَى الذَّنْبِ وَالْجَانِي مَعًا قِيلَ: عَفَوْتُ لِفُلَانٍ عَمَّا جَنَى، كَمَا تَقُولُ: غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَهُ وَتَجَاوَزَتْ لَهُ عَنْهُ. وَعَلَى هَذَا مَا فِي الْآيَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَنْ عَفَى لَهُ عِنْدَ جِنَايَتِهِ، فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْجِنَايَةِ. فَإِنْ قُلْت: هَلَّا فَسِرْتْ عَفَى بِتَرْكِ حَتَّى يَكُونَ شَيْءٌ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ؟ قُلْت: لِأَنَّ عَفَا الشَّيْءَ بِمَعْنَى تَرْكِهِ لَيْسَ بِثَبَتٍ، وَلَكِنْ أَعْفَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «َوَأَعْفُوا اللِّحَى»َ «١» فَإِنْ قُلْت. فَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُمْ: عَفَا أَثَرُهُ إِذَا مَحَاهُ وَأَزَالَهُ، فَهَلَّا جُعِلَتْ مَعْنَاهُ: فَمَنْ مَحَى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ؟ قُلْت: عِبَارَةُ قُلْقَةً فِي مَكَانِهَا، وَالْعَفْوِ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ عِبَارَةٌ مُتَدَاوِلَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتِعْمَالِ النَّاسِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى أُخْرَى قَلْقَةِ نَابِيَةٍ عَنْ مَكَانِهَا، وَتَرَى كَثِيرًٌا مِمَّنْ يَتَعَاطَى هَذَا الْعِلْمُ يَجْتَرِئُ- إِذَا أَعْضَلَ عَلَيْهِ تَخْرِيجُ وَجْهٍ لِلْمُشْكِلِ مِنْ كَلَامِ اللََّّه- عَلَى اخْتِرَاعِ لُغَةٍ وَادِّعَاءً عَلَى الْعَرَبِ مَا لَا تُعْرِفُهُ، وَهَذِهِ جُرْأَةٌ يُسْتَعَاذُ بِاَللََّّهِ مِنْهَا. فَإِنْ قُلْتُ؟ لَمْ قِيلَ: شَيْءٌ مِنَ الْعَفْوِ؟ قُلْتَ:
لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ إِذَا عَفَى لَهُ طَرَفٌ مِنْ الْعَفْوِ وَبَعْضٍ مِنْهُ بِأَنْ يُعْفَى عَنْ بَعْضِ الدَّمِ، أَوْ عَفَا عَنْهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ تَمَّ الْعَفْوَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَجِبْ إِلَّاَّ الدِّيَةُ فََاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فَلِيكُنِ اتِّبَاعً، أَوْ فَالْأَمْرُ اتِّبَاعً. وَهَذِهِ تَوْصِيَةٌ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَالْعَافِي جَمِيعًا. يَعْنِى فَلْيَتَّبَعْ الْوَلِيُّ الْقَاتِلُ بِالْمَعْرُوفِ بِأَنْ لَا يَعْنَفَ بِهِ وَلَا يُطَالِبُهُ إِلَّا مُطَالَبَةً جَمِيلَةً، وَلْيُؤَدَّّ إِلَيْهِ الْقَاتِلُ بَدَلَ الدَّمِ أَدَاءً بِإِحْسَانٍ، بِأَنْ لَا يُمْطِلَهُ وَلَا يَبْخُسُهُ ذَلِِكَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْعَفْوِ وَالدِّيَةِ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ لأَنَّ أَهْل التَّوْرَاةِ كَتَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ الْبَتَّةُ وَحَرَّّمُ الْعَفْوِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوُ وَحُرَّّمُ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةُ، وَخُيِّرَتْ هَذِهِ الْأُمَّّةُ بَيْنَ الثَّلَاثِ: الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ وَالْعَفْوُ، تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِمْ وَتَيْسِيرًُا فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ التَّخْفِيف، فَتَجَاوَزُ مَا شُرِعَ لَهُ مِنْ قَتْلِ غَيْرِ الْقَاتِلِ «٢»، أَوِ الْقَتْلِ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ. فَقَدْ كَانَ الْوَلِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤْمَّنِ الْقَاتِلُ بِقَبُولِهِ الدِّيَةَ، ثُمَّ يَظْفِرُ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فََلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ شَدِيدُ الْأَلَمِ فِي الآخِرَةِ. وَعَنْ قَتَادَةَ: الْعَذَابِ الْأَلِيمِ أَنْ يَقْتُلَ لَا مَحَالَةَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دِيَةٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «َلا أَعَافَى أَحَدًٌا قُتِلَ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ»ُ وََلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَيَاةٌ كَلاَمُ فَصِيْحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَابَةِ «٣»، وَهُوَ أَنَّّ الْقِصَاصَ قُتِلَ وَتَفْوِيتُ لِلْحَيَاةِ، وَقَدْ جَعَلَ مَكَانًا وَظَرْفًا لِلْحَيَاةِ، وَمِنْ إصَابَةِ مَحَزِّ الْبَلَاغَةِ بِتَعْرِيفِ الْقِصَاصِ وَتَنْكِيرِ الْحَيَاةِ لِأَنَّّ الْمَعْنَى: وَلَكُمْ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ حَيَاةٌ عَظِيمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانْوَا
1 (١) . متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (٢) . قوله «من قتل غير القاتل» بيان للتجاوز والاعتداء. (ع) (٣) . قال محمود رحمه الله: «كلام فصيح لما فيه من الغرابة … الخ» . قال أحمد رحمه الله: قوله جعل أحد الضدين محلا للآخر: كلام إما وهم فيه أو تسامح، لأن شرط تضاد الحياة والموت اجتماعهما في محل واحد تقديرًا، ولا تضاد بين حياة غير المقتص منه وموت المقتص، والبلاغة التي أوضحها في الآية بينة بدون هذا الإطلاق.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout