«َالْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ «١»» وَبِأَنَّّ التَّفَاضُلَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْأَنْفُسِ، بِدَلِيلِ أَنَّّ جَمَاعَةً لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًًا قَتِلُوا بِهِ. وَرَوَى «َأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ دِمَاءً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا طُولٌ عَلَى الْآخَرِ، فَأَقْسَمُوا لَنُقْتُلْنَّّ الْحُرَّّ مِنْكُمْ بِالْعَبْدِ مِنَّا، وَالذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالِاثْنَيْنِ بِالْوَاحِدِ، فَتَحَاكَمُوا إلَى رَسُولِ اللََّّه صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَ اللََّّه بِالإِسْلَاَمِ فَنَزَلَتْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَبَاوُؤَا «٢»» فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ مَعْنَاه: فَمَنْ عَفَى لَهُ مِنْ جِهَةِ أَخِيهِ «َ٣» شَيْءٌ مِنَ الْعَفْوِ. عَلَى أَنَّهُ كَقَوْلِكَ: سَيْرٌ بِزَيْدٍ بَعْضِ السِّيَرِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ السِّيَرِ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ، لِأَنَّ «َعْفَا»َ لَا يَتَعَدَّّى إِلَى مَفْعُولٍ بِهِ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ. وَأَخُوهُ: هُوَ وَلِىّ الْمَقْتُولِ، وَقِيلَ لَهُ أَخُوهُ، لِأَنَّهُ لَابِسُهُ، مِنْ قَبَلِ أَنَّهُ وَلَّى الدَّمِ وَمُطَالِبِهُ بِهِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: قُلْ لِصَاحِبِكَ كَذَا، لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَدْنَى مُلَابَسَةً أَوْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْأُخُوَّةِ، لِيُعْطَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِذِكْرِ مَا هُوَ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا مِنْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَإِنْ قُلْت: إِنْ عَفَى يَتَعَدَّّى بَعْنَ لَاَ بِاللَّامِ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)؟ قُلت: يَتَعَدِّى بِعْنُ إِلَى الْجَانِيِّ وَإِلَى الذَّنْبِ، فَيُقَالُ: عَفَوْتُ عَنْ فُلَانٍ وَعَنْ ذَنْبِهِ. قَالَ اللَّه تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) وقال:
1 (١) . أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من طريق قيس بن عباد عن على في قصة. ورواه أبو داود وابن ماجة من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وزاد «ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجبر عليهم أقصاهم. وهم يد على من سواهم» وفي الباب عن عائشة: رواه البخاري في تاريخه والدارقطني. وعن ابن عباس ومعقل بن يسار في ابن ماجة وعن جابر في المعجم الأوسط للطبراني. (٢) . لم أجده. (٣) . قال محمود رحمه الله: «معنى الآية: فمن عفى له من جهة أخيه … الخ» . قال أحمد رحمه الله: ويقوى هذا التأويل القول بأن موجب العمد أحد الأمرين من القصاص أو الدية، والخيار إلى الولي. وهو أحد القولين في مذهب مالك رضي الله عنه ومشهورهما. إذ لو جعلنا موجب العمد القود على القول الآخر، لكان في ذلك تضييق على الولي. والآية مشعرة بالتخفيف والسعة وتحتمل الآية وجها آخر، وهو عود الضميرين جميعا إلى الولي، وقالوا على هذا الوجه يكون العفو إعطاء البدل، كأنه قال: فمن أعطى شيئا من أخيه أى بدلا من أخيه. ويكون «من» مثلها في قوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) . ونظيره في استعمال العفو في العطاء عندي قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) إذا حمل الذي بيده العقدة على الزوج. وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. ويقول أصحابه. عفوه على أحد وجهين: إما من استرجاع النصف الواجب إن كان قد سلم جميع المهر، وإما على دفع النصف الآخر الذي سقط عنه إن كان لم يسلمه، فيكون العفو على هذا مستعملا في الإعطاء. ويقوى هذا الوجه في أنه لا قصاص قوله: (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ) لأن المخاطب بالاتباع بالمعروف إنما هو الولي، فإذا جعلنا الضميرين له انساق الكلام سياقة واحدة إلى جهة واحدة، وصار المعنى: فمن أعطى من الأولياء بدلا من أخيه، فليتبع بالمعروف في طلب ما أعطى. ولما خالفه الولي عن التقاضي خاطب القاتل بحسن الأداء، فلينتظم الكلام موجها إلى وجهة واحدة. وأما على الوجه الذي قرره الزمخشري، فالضميران جميعًا راجعان إلى القاتل وتقدير الكلام: فمن عفى له من القاتلين عن جنايته شيء من العفو فليتبع الولي هذا القاتل المعفو عنه بالمعروف، فيكون المخاطب أول الآية القاتل، وآخرها الولي، بخلاف الوجه الذي قررته واللَّه أعلم. وكلا الوجهين حسن جيد.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout