كُلُّهُ لَا بَعْضَهُ؟ قُلْت: لِأَنَّهُ احْتَاجَ فِي مُقَاوَلَةِ خُصُومِ مُوسَى وَمِنَّا كَرِيَهُ إلَى أَنْ يُلَاوِصَهُمْ «َ١» وَيُدَارِيهِمْ، وَيُسْلِكُ مَعَهُمْ طَرِيقُ الْإِنْصَافِ فِي الْقَوْلِ، وَيَأْتِيهِمْ مِنْ وَجْهَةِ الْمُنَاصَحَةِ، فَجَاءَ بِمَا عُلِمَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَسْلِيمِهِمْ لِقَوْلِهِ، وَأَدْخَلَ فِي تَصْدِيقِهِمْ لَهُ وَقَبُولُهُمْ مِنْهُ، فَقَالَ وََإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ وَهُو كَلَامُ الْمُنْصِّفُ فِي مَقَالِهِ غَيْرُ الْمُشْتَطِّ فِيهِ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُ وَلَا يَرُدَّّوَا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ فَرْضَهُ صَادِقًا فَقَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا يُعَدُّ، وَلَكِنَّهُ أَرْدَفُهُ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ليُهْضُمهُ بَعْض حَقِّهِ فِي ظَاهِرِ الْكَلَاَمِ، فَيُرِيهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ مَنْ أَعْطَاهُ حَقَّهُ وَافِيًا، فَضْلًا أَنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ، أَوْ يُرْمَى بِالْحَصَا مِنْ وَرَائِهِ، وَتَقْدِيمِ الْكَاذِبِ عَلَى الصَّادِقِ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ. فَإِنْ قُلْت: فَعَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ أَنَّهُ فَسَّرَ الْبَعْضَ بِالْكُلِّ، وَأَنْشَدَ بَيْتٌ لَبِيدٍ:
تِرَّاكِ امْكِنَةً إِذَا لَمْ أَرْضَهَا … أَوْ يَرْتَبِطَ بَعْضُ النُّفُوسِ حَمَامَهَا «٢»
قُلت: إِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ. فَقَدْ حَقَّ فِيهِ قَوْلُ الْمَازِنِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلْقَىِّ: كَانَ أَجْفَى مِنْ أَنْ يَفْقَهُ مَا أَقُولُ لَهُ إِِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مُسَرِفًا كَذَابًا خَذَلَهُ اللَّهُ وَأَهْلَكَهُ وَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ أَمْرٌ، فَيَتَخَلَّصُونَ مِنْهُ. وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَرِفًا كَذَابًا لِمَا هَدَاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوّةِ، وَلَمَّا عَضَدَهُ بِالْبَيِّنَاتِ. وَقِيلَ: مَا تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَشَدَّّ مِنْ ذَلِكَ طَافَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ، فَلَقَوهُ حِينَ فَرَغَ، فَأَخَذُوا بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، فَقَالَ: أَنَا ذَاكَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدَّّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَالْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًاً أَنْ يَقُولَ رَبِى اللَّهُ، وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمَ، رَافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ، وَعَيْنَاهُ تَسْفَحَانِ، حَتَّى أَرْسَلُوهُ «٣» . وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ: أَنَّّ مُؤْمِنٌ آلِ فِرْعَوْنَ قَالَ ذَلِكَ سِرًّا، وَأَبُو بَكْرٍ قَالَهُ ظَاهِرًا.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)
ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ في أَرْض مِصْرِ عَالَيْنَ فِيهَا عَلَىُّ بَنِى إِسْرَائِيلَ، يَعْنِى: أَنَّّ لَكُمْ مَلْكَ
1 (١) . قوله «إلى أن يلاوصهم ويداريهم» في الصحاح: فلان يلاوص الشجر، أى: ينظر كيف يأتيها لقلعها. (ع) (٢) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٦٤١ فراجعه إن شئت اه مصححه. (٣) . أخرجه النسائي من طريق هشام عن عروة عن أبيه عن عمرو بن العاص. وابن حبان من طريق يحيى ابن عروة عن عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أتم منه. قلت: علقه البخاري نحوهما.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout