وََلا شَفِيعٍ يُطاعُ؟ قُلت: يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ النَّفْيَ الشَّفَاعَةَ وَالطَّاعَةَ مَعًا، وَأَنْ يَتَنَاوَلَ الطَّاعَةَ دُونَ الشَّفَاعَةِ، «١» كَمَا تَقُولُ: مَا عِنْدِي كِتَابٌ يُبَاعُ، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ نَفَى الْبَيْعَ وَحْدَهُ، وَأَنَّ عِنْدَكَ كِتَابًا إِلَّاَّ أَنَّكَ لَا تَبِيعُهُ، وَنَفْيُهُمَا جَمِيعًا، وَأَنْ لَا كِتَابَ عِنْدَكَ، وَلَا كَوْنُهُ مَبِيعًا. وَنَحْوَهُ:
وَلَاَ تَرَى الضَّّبّ بِهَا يَنْجَحِرُ «٢»
يُرِيدُ: نَفَى الضَّبَّ وَانْجِحَارَهُ. فَإِنْ قُلْت: فَعَلَى أَىِّ الِاحْتِمَالَيْنِ يَجِبُ حَمْلُهُ؟ قُلْتُ: عَلَى نَفَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشُّفَعَاءَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَاَ يُحِبُّونَ وَلَاَ يَرْضَوْنَ إِلَّاَّ مَنْ أَحَبَّهِ اللَّهُ وَرَضِيَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، فَلَاَ يُحِبُّونَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَحِبُوهُمْ لَمْ يَنْصَرُوهُمْ وَلَمْ يَشْفَعُوا لَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وََما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ولأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَاَ تَكُونُ إِلَّاَّ فِي زِيَادَةِ التَّفَضُّلِ، «٣» وَأَهْلُ التَّفَضُّلِ وَزِيَادَتِهِ إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الثَّوَابِ، بِدَلِيلِ قَوْلِه تَعَالَى وََيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وعن الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاَللَّهِ مَا يَكُونُ لَهُمْ شَفِيعُ الْبَتَّةِ، فَإِنْ قُلْتَ: الْغَرَضُ حَاصِلٌ بِذِكْرِ الشَّفِيعِ وَنَفْيِهِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَنَفْيِهَا؟ قُلْت: فِي ذِكْرِهَا فَائِدَةٌ جَلِيلَةً، وَهِيَ أَنَّهَا ضَمَّتْ إِلَيْهِ، لِيُقَامَ انْتِفَاءُ الْمَوْصُوفِ مَقَامَ الشَّاهِدِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَتَأَتَّى بِدُونِ مَوْصُوفِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إزَالَةً لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَوْصُوفِ، بَيَانُهُ: أَنَّكَ إِذَا عُوتَبَتْ عَلَى الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ فَقُلْت: مَا لِي فَرَسَ أَرْكَبَهُ، وَلَا مَعَى سِلَاحِ أَحَارِبَ بِهِ، فَقَدْ جَعَلْتْ عَدَمَ الْفَرَسِ وَفَقْدَ السِّلَاحَ عِلَّةً مَانِعَةً مِنْ الرُّكُوبِ وَالْمُحَارَبَةِ، كَأَنَّكَ تَقُولُ: كَيْفَ يَتَأَتَّى مِنًى الرُّكُوبِ وَالْمُحَارَبَةِ وَلَا فَرَسَ لِي وَلَا سِلَاحَ مَعَى، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وََلاَ شَفَِيعٍ يُطاعُ مَعْنَاهُ:
كَيْفٌ يَتَأَتَّى التَّشْفِيعُ وَلَا شَفِيعَ، فَكَانَ ذِكْرُ التَّشْفِيعِ وَالِاسْتِشْهَادِ عَلَى عَدَمِ تَأْتِيهِ بِعَدَمِ الشَّفِيعِ:
وَضْعًا لِانْتِفَاءِ الشَّفِيعِ مَوْضِعَ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ «َ٤» غَيْرُ الْمُنْكِرِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ خِلَافُهُ.
1 (١) . قال محمود: «يحتمل أن يكون المنفي الشفيع الذي هو الموصوف وصفته وهي الطاعة، ويحتمل أن يكون المنفي الصفة وهي الطاعة والشفيع ثابت» قال أحمد: إنما جاء الاحتمال من حيث دخول النفي على مجموع الموصوف والصفة. ونفى المجموع، كما يكون بنفي كل واحد من جزئيه، وكذلك يكون بنفي أحدهما، على أن المراد هنا- كما قال-: نفى الأمرين جميعا. قال: وفائدة ذكر الموصوف أنه كالدليل على نفى الصفة، لأنه إذا انتفى الموصوف انتفت الصفة قطعا، قلت: فكأنه نفى الصفة مرتين من وجهين مختلفين. (٢) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٢٦ فراجعه إن شئت اه مصححه. (٣) . قوله «لا تكون إلا في زيادة التفضل» هذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فتكون في الخروج من النار أيضا، كما تقرر في التوحيد. وحديث الشفاعة مشهور، نعم الكفار لا خروج لهم من النار. (ع) (٤) . قوله «موضع الأمر المعروف» أى الذي يعرفه السامع ويسلمه، كما هو شأن الشاهد على الدعوى، وإذا كان انتفاء الشفيع معروفا فلا ينتفي أن يتوهم وجوده، وبهذا يتبين قوله فيما سبق، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout