لَا لِعِوَضٍ، وَيَظْلِمُونَهُ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَيُجْسِمُونَهُ بِكَوْنِهِ مَرْئِيًّا مُعَايَنًا مُدْرِكًا بِالْحَاسَّةِ، وَيَثْبِتُونَ لَهُ يَدًا وَقَدَّمًا وَجُنُبًا مُتَسْتِّرِينِ بِالْبَلْكَفَةِ، وَيَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا بِإِثْبَاتِهِمْ مَعَهُ قُدَمَاءً وَُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ جُمْلة فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ كَانَ تَرَى مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ.
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
قرِئ: يُنَجِّى ويُنَجِّى بِمَِفازَتِهِمْ بِفَلاَحِهِمْ، يُقَالُ: فَازَ بِكَذَا إِذَا أَفْلَحَ بِهِ وَظُفَرَ بِمُرَادِهِ مِنْهُ. وَتَفْسِيرُ الْمَفَازَةِ قَوْلُهُ لَاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ كَأَنَّهُ قِيل: مَا مَفَازَتُهُمْ؟ فَقِيلَ:
لاَ يُمَسُّهُمُ السُّوءَ، أَىْ يُنْجِيَهُمْ بِنَفْيِ السُّوءِ وَالْحَزْنِ عَنْهُمْ. أَوْ بِسَبَبِ مُنَجَّاتِهِمْ، مِنْ قَوْله تَعَالَى فََلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أىُّ بِمُنَجَاةٍ مِنْهُ، لِأَنَّّ النَّجَاةَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَلَاحِ، وَسَبَبُ مُنَجَّاتِهِمْ الْعَمَلُ الصَّالِحَ وَلِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْمَفَازَةُ بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ، وَيَجُوزُ: بِسَبَبِ فَلَاحِهِمْ، لِأَنَّّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ سَبَبُ الْفَلَاحِ وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي نَفْسِهِ: مُفَازَةً، لِأَنَّهُ سَبَبُهَا. وَقُرِئَ: بِمُفَازَاتِهِمَ، عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُتْقٍ مَفَازَةً. فَإِنْ قُلْت: لاَ يََمَسُّهُمُ مَا مَحَلُّهُ مِنَ الْإِعْرَابِ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ؟ قُلْت: أَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّّلِ فَلَا مَحَلَّ لَهُ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ.
[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٢ الى ٦٣]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى هُو مَالِك أَمْرُهَا وَحَافِظُهَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ، لِأَنَّّ حَافِظَ الْخَزَائِنِ وَمُدَبَّرٌ أَمْرِهَا هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَقَالِيدَهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ أُلْقَيْتَ إِلَيْهِ مَقَالِيدَ الْمِلْكِ وَهِيَ مَفَاتِيحٌ، وَلَا وَاحِدٌ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا. وَقِيلَ: مَقْلِيدٌ. وَيُقَالُ: إِقْلِيدٌ، وَأَقَالِيدُ، وَالْكَلِمَةُ أَصْلُهَا فَارِسِيَّةً. فَإِنْ قُلْت. مَا لِلْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ الْمُبَيَّنِ وَلِلْفَارِسِيَّةِ؟ قُلْت: التَّعْرِيبُ أَحَالَهَا عَرَبِيَّةٌ، كَمَا أَخْرَجَ الِاسْتِعْمَالُ الْمُهْمَلَ مِنْ كَوْنِهِ مُهْمَلًاً. فَإِنْ قُلْت: بِمَا اتَّصَلَ قَوْلُهُ وََالَّذِينَ كَفَرُوا قُلت: بقَولِهِ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا أى يُنَجِى اللهُ الْمُتَّقِينُ بِمَفَازَتِهِمْ، وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْخَاسِرُونَ.
وَاعْتُرَضَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ خَالِقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَهُوَ مُهِيمَنُ عَلَيْهَا، فَلَا بِخَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا وَمَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهَا مِنْ الْجَزَاءِ، وَقَدْ جَعَلَ مُتَّصِلًا بِمَا يَلِيهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَاَللَّهُ خَالِقُهُ وَفَاتَحَ بَابُهُ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ وَقِيلَ: سَأَلَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى لَهُ مَقَالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، فقَال: «ِيَا عُثْمَانُ»ُ مَا سَأَلَنِى عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، تَفْسِيرُهَا: لَاَ إِلَهَ إِلَّاَّ اللَّهُ وَاَللَّهُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout