لِاسْتِحْضَارِهِمْ بِالذِّكْرِ. أَوْ لِأَنَّهُمْ كَالْحُضُورِ عِنْدَ اللَّهِ. وَالصَّيحَةِ: النَّفْخَةُ مَا لََهَا مَِنْ فََوَاقٍٍ وَقُرِئَ بِالضَّمِّ: مَا لَهَا مِنْ تَوَقُّفِ مِقْدَارٍ فَوَاقٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ حَلْبَتَى الْحَالِبِ وَرَضْعَتَى الرَّاضِعِ. يَعْنِى: إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا لَمْ تَسْتَأْخِرْ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الزَّمَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فََإِِذَا جَاءََ أََجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَالُهَا مِنْ رُجُوعٍ، وَتَرْدَادُ، مَنْ أَفَاقَ الْمَرِيضِ إِذَا رَجَعَ إِلَى الصِّحَّةِ. وَفَوَاقِ النَّاقَةِ: سَاعَةٌ تَرْجِعُ الدُّرَّ إِلَى ضَرْعِهَا، يُرِيدُ: أَنَّهَا نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ فَحَسَبَ لَاَ تُثْنَى وَلَا تَرَدُّدُ.
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)
القط: القسط من الشَّيء، لأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْهُ، مِنْ قَطِّهِ إِذَا قَطَعَهُ. وَيُقَالُ لِصَحِيفَةِ الْجَائِزَةِ:
قط، لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْقِرْطَاسِ، وَقَدْ فَسَّرَ بِهِمَا قَوْله تَعَالَى عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أى نَصِيبُنَا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي وَعِدْتُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى وََيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وقِيل: ذَكَرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ، فَقَالُوا عَلَى سَبِيلِ الْهَزْءِ: عَجَّلَ لَنَا نَصِيبُنَا مِنْهَا. أَوْ عَجَّلَ لَنَا صَحِيفَةُ أَعْمَالِنَا نَنْظُرُ فِيهَا.
[سورة ص (٣٨): الآيات ١٧ الى ٢٠]
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)
فإن قُلت: كَيْف تَطَابِقُ قَوْلُهُ اصِّْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وقَوْله وََاذِْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ حَتَّى عَطَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؟ قُلْت: كَأَنَّهُ قَالَ لِنَبِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ، وَعَظْمَ أَمْرٍ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي أَعْيُنِهِمْ بِذِكْرِ قِصَّةِ دَاوُد، وَهُوَ أَنَّهُ نَبِىّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ أَوَّلَاَهُ مَا أَوَّلَاَهُ مِنْ النُّبُوّةِ وَالْمِلْكَ، لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ وَزَلْفْتُهُ لَدَيْهِ، ثُمَّ زَلَّ زَلَّةً فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَوَبَّخَهُ عَلَيْهَا. عَلَى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ وَالتَّعْرِيضِ، حَتَّى فَطِنَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِ فَاسْتَغْفِرَ وَأَنَابَ، وَوَجِدَ مِنْهُ مَا يُحْكَى مِنْ بُكَائِهِ الدَّائِمِ وَغَمَّهُ الْوَاصِبُ «١»، وَنَقَشَ جِنَايَتِهِ فِي بَطْنِ كَفِّهِ حَتَّى لَا يَزَالَ يُجَدِّدُ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَالنَّدَمُ عَلَيْهَا فَمَا الظَّنَّّ بِكُمْ مَعَ كُفْرِكُمْ وَمَعَاصِيكُمْ؟ أَوْ قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَصَنَّ نَفْسَكَ وَحَافَظَ عَلَيْهَا أَنْ تَزِلَ فِيمَا كَلَّفْتُ مِنْ مُصَابَرَتِهِمْ وَتَحْمَّلُ أَذَاهُمْ، وَاذْكُرْ أَخَاكَ دَاوُد وَكَرَامَتُهُ عَلَى اللَّهِ كَيْفَ زَلَّّ تِلْكَ الزِّلَّةَ الْيَسِيرَةَ فَلَقِى مِنْ تَوْبِيخِ اللَّهِ وَتَظْلِيمِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى الْبَغْيِ مَا لَقَى ذََا الْأَيْدِ ذا القوّة فِي الدِّيْنِ الْمُضْطَلِعِ بِمَشَاقِهِ وَتَكَالِيفِهِ، كَانَ عَلَى نُهُوضِهِ بِأَعْبَاءِ
1 (١) . قوله «وغمه الواصب» أى: الدائم. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout