تَمَّتْ قِصَّةُ الْمُؤْمِنِ وَقَرِينِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى ذِكْرِ الرِّزْقِ الْمَعْلُومِ فَقَالَ أََذَلِكَ الرِّزْقُ خَيْرٌ نُزُلًا أى خَيْرُ حَاصِلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ وأَصل النَّزل: الْفَضْلُ وَالرُّبُعُ فِي الطَّعَامِ، يُقَالُ:
طعَامُ كَثِيرُ النَّزْلِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْحَاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، وَحَاصِلُ الرِّزْقِ الْمَعْلُومِ: اللَّذَّةَ وَالسُّرُورِ، وَحَاصِلُ شَجَرَةِ الزُّقُومِ: الْأَلَمِ وَالْغَمُّ، وَانْتِصَابُ نَزْلًا عَلَى التَّمْيِيزِ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ حَالًاً، كَمَا تَقُولُ:
أَثْمَرُ النَّخْلَةِ خَيْرٌ بَلَحًا أَمْ رُطَبًا؟ يَعْنِى أَنَّّ الرِّزْقَ الْمَعْلُومَ نَزَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ. وَأَهْلِ النَّارِ نَزَلَهُمْ شَجَرَةُ الزُّقُومِ، فَأَيُّهُمَا خَيْرٌ فِي كَوْنِهِ نَزْلًا. وَالنَّزْلُ: مَا يُقَالُ «١» لِلنَّازِلِ بِالْمَكَانِ مِنَ الرِّزْقِ. وَمِنْهُ إِنْزَالُ الْجُنْدِ لِأَرْزَاقِهِمْ، كَمَا يُقَالُ لِمَا يُقَامُ لِسَاكِنِ الدَّارِ: السُّكَنَ «٢» . وَمَعْنَى الْأَوَّّلِ: أَنَّّ لِلرِّزْقِ الْمَعْلُومِ نَزْلًا، وَلِشَجَرِ الزُّقُومِ نَزْلًا، فَأَيُّهُمَا خَيْرٌ نَزْلًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي شَجَرَةِ الزُّقُومِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا اخْتَارُوا مَا أَدَّى إِلَى الرِّزْقِ الْمَعْلُومِ، وَاخْتَارَ الْكَافِرُونَ مَا أَدَّى إِلَى شَجَرَةِ الزُّقُومِ، قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلَى سُوءِ اخْتِيَارِهِمْ فِِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ مَحَنَة وَعَذَابًا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. أَوْ ابْتِلَاءٍ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ شَجَرَةً وَالنَّارُ تُحَرَّقُ الشَّجَرِ، فَكَذَبُوا. وَقُرِئَ:
نَابِتَةُ فَِي أََصْلِ الْجَحِيمِ قيل: مَنَبَتَهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، وَأَغْصَانِهَا تَرْتَفِعُ إِلَى دَرَكَاتِهَا: وَالطَّلْعِ لِلنَّخْلَةِ، فَاسْتُعِيرَ لِمَّا طَلَعَ مِنْ شَجَرَةِ الزُّقُومِ مِنْ حَمْلِهَا: إِمَّا اسْتِعَارَةٌ لَفْظِيَّةً، أَوْ مَعْنَوِيَّةً، وَشَبَّهَ بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ دَلَالَةً عَلَى تَنَاهِيهِ فِي الْكَرَاهَةِ وَقَبْحِ الْمُنْظَرِ، لِأَنَّّ الشَّيْطَانَ مَكْرُوهٌ مُسْتَقْبَحٌ فِي طِبَاعِ النَّاسِ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ لَا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ، فَيَقُولُونَ فِي الْقَبِيحِ الصُّورَةَ: كَأَنَّهُ وَجْهُ شَيْطَانِ، كَأَنَّهُ رَأْسُ شَيْطَانٍ. وَإِذَا صَوَّّرَهُ الْمُصَوِّرُونَ: جَاءُوا بِصُورَتِهِ عَلَى أَقْبَحِ مَا يُقَدَّرُ وَأَهْوَلُهُ، كَمَا أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا فِي الْمِلْكِ أَنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ لَا شَرَّ فِيهِ، فَشَبَّهُوا بِهِ الصُّورَةُ الْحَسَنَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ وَهَذَا تَشْبِيهٌ تَخْيِيلَى. وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ حَيَّةُ عَرْفَاءَ لَهَا صُورَةٌ قَبِيحَةُ الْمُنْظَرِ هَائِلَةٌ جِدًّا. وَقِيلَ: إِنَّّ شَجَرًا يُقَالُ لَهُ الأُسْتُنُ خَشْنَا مُنْتِنَا مُرًّا مُنْكِرُ الصُّورَةَ، يُسَمَّى ثَمَرَهُ:
1 (١) . قوله «ما يقال للنازل بالمكان» لعله «ما يقام» كعبارة النسفي. (ع) (٢) . قوله «لساكن الدار السكن» في الصحاح «السكن»: كل ما سكنت إليه. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout