قَبْحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إنْكَارَهُمْ الْبَعْثَ تَقْبِيحًا لَا تَرَى أَعْجَبُ مِنْهُ وَأَبْلَغَ، وَأَدَلَّ عَلَى تَمَادَى كُفْرِ الْإِنْسَانِ وَإِفْرَاطِهِ فِي جُحُودِ النِّعَمِ وَعُقُوقِ الْأَيَادَى، وَتَوَغَّلَهُ فِي الْخُسَّةِ وَتَغَلَغِلُهُ فِي الْقُحَّةِ «١»، حَيْثُ قَرَّرَهُ بِأَنَّ عَنْصَرَهُ الَّذِي خَلَقَهُ مِنْهُ هُوَ أَخَسَّ شَيْءٍ وَأَمْهَنَهُ، وَهُوَ النُّطْفَةُ الْمَذَرَّةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الْإِحْلِيلِ الَّذِي هُوَ قَنَاةُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ عَجَبَ مِنْ حَالِهِ بِأَنْ يَتَصَدَّّى مِثْلَهُ عَلَى مُهَانَةِ أَصْلِهِ وَدَنَاءَةً أَوَّّلِهِ لِمُخَاصَمَةِ الْجِبَّارِ، وَشَرْزِ صَفْحَتِهِ «َ٢» لِمُجَادَلَتِهِ، وَيَرْكَبُ مَتْنَ الْبَاطِلِ وَيُلِجُّ، وَيُمْحَكُ وَيَقُولُ: مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إحْيَاءِ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَا رُمَّتْ عِظَامَهُ، ثُمَّ يَكُونُ خِصَامُهُ فِي أَلْزَمَ وَصْفٌ لَهُ وَأَلْصَقَهُ بِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُنْشَأٌ مِنْ مَوَاتٍ، وَهُوَ يُنْكِرُ إنْشَاءَهُ مِنْ مَوَاتٍ، وَهِيَ الْمُكَابَرَةُ الَّتِي لَا مُطْمَحُ وَرَاءَهَا، وَرَوَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ أَبَىّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ وَأَبُو جَهْلٍ وَالْعَاصِي بِزَوَائِلَ وَالْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبَىّ: أَلَا تَرَوْنَ إلَى مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ، إنَّّ اللَّهُ يَبْعَثُ الْأَمْوَاتَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لِأَصِيرَنَّّ إلَيْهِ وَلَأَخْصَمَنَّهُ، وَأَخَذَ عَظْمًا بَالِيًا فَجَعَلَ يُفْتَهُ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا مُحَمَّدٌ، أَتَرَى اللَّهُ يَحْيَى هَذَا بَعْدَ مَا قَدْ رَمَّ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: نَعَمْ وَيَبْعَثُك وَيَدْخُلُكَ جَهَنَّمُ «َ٣» وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ فََإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فَإِذَا هُوَ بَعْدَ مَا كَانَ مَاءً مُهِيِّنَا رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مُنْطَبِقٌ قَادِرٌ عَلَى الْخِصَامِ، مُبَيَّنٌ: مُعَرَّبٌ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَصِيحَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى أََوََمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ. فَإِنْ قُلْت: لِمَ سَمَّى قَوْلُهُ مََنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ مَثَلا؟ قُلْت: لَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ قِصَّةِ عَجِيبَةِ شَبِيهَةَ بِالْمِثَلِ، وَهِيَ إِنْكَارُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى. أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ، لِأَنَّ مَا أَنْكَرَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُوصَفُ اللَّهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ النَّشْأَةِ الْأُولَى، فَإِذَا قِيلَ:
1 (١) . قوله «وتغلغله في القحة» في الصحاح: وقح الرجل قحة ووقاحة، إذا صار قليل الحياء. (ع) (٢) . قوله «وشرز صفحته … الخ» في الصحاح «الشرز» الشرس، وهو الغلظ. والمحك: اللجاج. (ع) (٣) . هكذا ذكره الحلبي عن قتادة بغير سند، وأخرجه الحاكم من رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء، ففتته بيده، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما رم؟ فقال: نعم، يميتك الله- الحديث» وروى البيهقي في الشعب من طريق حصين عن أبى مالك. قال: جاء أبى بن خلف بعظم نخر- الحديث» وروى ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: «جاء أبو جهل بعظم حائل» .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout