فَإِنْ قُلْت: هَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّّ الْخَالِقَ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى «َ١»؟ قُلْتُ نَعَمْ إنْ جُعَلْت يَرْزُقُكُمْ كَلامَا مُبْتَدَأٌ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَوْجَهِ الثَّلَاثَةِ. وَأَمَّّا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنَ وَهُمَا الْوَصْفُ وَالتَّفْسِيرُ. فَقَدْ يُقَيَّدُ فِيهِمَا بِالرِّزْقِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِطْلَاقِ، فَكَيْفَ يَسْتَشْهِدُ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، بِالْإِطْلَاقِ، وَالرِّزْقِ مِنْ السَّمَاءِ الْمَطَرَ، وَمِنْ الْأَرْضِ النَّبَاتُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ جُمْلَةُ مَفْصُولَةً لَا مَحَلَّ لَهَا، مَثَلً: يُرْزُقُكُمْ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَلَوْ وَصِلَتْهَا كَمَا وَصَلَتْ يَرْزِقُكُمْ لَمْ يُسَاعِدْ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، لِأَنَّّ قَوْلِكَ: هَلْ مَنْ خَالِقٍ آخَرَ سِوَى اللَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّاَّ ذَلِكَ الْخَالِقُ: غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: هَلْ مَنْ خَالِقٍ سِوَى اللَّهِ إِثْبَاتٌ لِلَّهِ، فَلَوْ ذَهَبَتْ تَقُولُ ذَلِكَ: كُنْتُ مُنَاقِضًا بِالنَّفْيِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ فََأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَمَنْ أَىُّ وَجْهُ تَصَرِفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ؟
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
نعى به على قُرَيْشِ سُوء تَلَقِيهِمْ لِآيَاتِ اللَّهِ، وَلِتَكْذِيبِهِمْ بِهَا، وَسَلَّى رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ لَهُ فِي الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةً، ثُمَّ جَاءَ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ: مِنْ رُجُوعِ الْأُمُورِ إِلَى حُكْمِهِ وَمُجَازَاةِ الْمُكَذِّبِ وَالْمُكَذِّبِ بِمَا يَسْتَحِقَّانِهِ. وَقُرِئَ: تَرْجِعُ، بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا. فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ صِحَّةِ جَزَاءِ الشَّرْطِ؟ وَمِنْ حَقِّ الْجَزَاءِ أَنْ يَتَعَقَّبَ الشَّرْطُ وَهَذَا سَابِقٌ لَهُ. قُلْتُ: مَعْنَاهُ: وَإِنْ يَكْذِبُوكَ فَتَأْسَّ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ مِنْ قِبْلِكَ، فَوَضَعَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ موضع: فَتَأَسَّ، اسْتِغْنَاءً بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبَّبِ: أَعْنَى بِالتَّكْذِيبِ عَنِ التَّأْسَى. فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى التَّنْكِيرِ فِي رُسُلٍ؟ قُلْت:
مَعْنَاهُ فَقَدْ كَذَبْتُ رُسُلً، أَىُّ رُسْلٍ ذُو وَعَدَدٍ كَثِيرً. وَأُولُو آيَاتٍ وَنَذْرٍ، وَأَهْلُ أَعْمَارِ طِوَالٍ وَأَصْحَابِ صَبْرٍ وَعَزْمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَذَا أَسْلَى لَهُ، وَأَحَثُّ عَلَى الْمُصَابَرَةِ.
1 (١) . عاد كلامه. قال: فان قلت: هل فيه دليل على أن الخالق لا يطلق على غير الله تعالى؟ قلت: نعم إن جعلت يرزقكم كلاما مبتدأ، وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. وأما على الوجهين الآخرين وهما الوصف والتفسير فقد تقيد فيهما بالرزق من السماوات والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على نفيه مطلقا. قال أحمد: القدرية إذا قرعت هذه الآية أسماعهم قالوا بجرأه على الله تعالى: نعم ثم خالق غير الله، لأن كل أحد عندهم يخلق فعل نفسه، فلهذا رأيت الزمخشري وسع الدائرة، وجلب الوجوه الشاردة النافرة، وجعل الوجهين يطابقان معتقده في إثبات خالق غير الله، ووجهها هو الحق والظاهر، وأخره في الذكر تأسيا له، والذي يحقق الوجه الثالث وأنه هو المراد: أن الآية خوطب بها قوم على أنهم مشركون، إذا سئلوا عن رازقهم من السماوات والأرض، قالوا: الله، فقرروا بذلك وقرعوا به، إقامة للحجة عليهم بإقرارهم، ولو كان على غير هذا الوجه قيد، لكان مفهومه إثبات خالق غير الله، لكنه لا يرزق وهؤلاء الكفرة قد تبرؤا عن ذلك، فلا وجه لتقريعهم بما يلائم قولهم هذا ترجيح الوجه الثالث من حيث مقصود سياق الآية. وأما من حيث النظم اللفظي، فلأن الجملتين اللتين هما قوله يَرْزُقُكُمْ وقوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سقتا سياقا واحدا. والثانية مفصولة اتفاقا مما تقدم، فكذلك وَزِينَتَها.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout