فِيهِمَا، فَأَنِثَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ، وَذَكَرَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ لَا تَأْنِيثُ فِيهِ، وَلِأَنَّّ الْأَوَّّلَ فَسِّرٌ بِالرَّحْمَةِ، فَحَسَنَ اتِّبَاعُ الضَّمِيرِ التَّفْسِيرَ، وَلَمْ يُفَسِّرْ الثَّانِي فَتَرَكَ عَلَى أَصْلِ التَّذْكِيرِ وَقُرِئَ فَلَا مُرْسَلَ لَهَا.
فَإِنْ قُلْت: لَا بُدَّ لِلثَّانِي مِنْ تَفْسِيرٍ، فَمَا تَفْسِيرُهُ؟ قُلْت: يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ مِثْلَ تَفْسِيرِ الْأَوَّّلِ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا يُمْسِكُهُ مِنْ غَضَبِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الْأَوَّّلُ دُونَ الثَّانِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ فَسَّرَ الرَّحْمَةَ بِالتَّوْبَةِ وَعَزَاهُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؟ قُلْت: إنْ أَرَادَ بِالتَّوْبَةِ الْهِدَايَةَ لَهَا وَالتَّوْفِيقُ فِيهَا- وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنْ قَالَهُ- فَمَقْبُولٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَتُوبَ الْعَاصِي تَابً، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَتُبَ، فَمَرْدُودٌ لِأَنَّّ اللَّهَ تَعَالَى يَشَاءُ التَّوْبَةَ أَبَدًا «١»، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشَاؤُهَا مَِنْ بَعْدِهِ مَنْ بَعْدِ إِمْسَاكِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ أى مَنْ بَعْدَ هِدَايَتِهِ وَبَعْدَ آيَاتِهِ وََهُوَ الْعَزِيزُ الغَالِب الْقَادِرُ عَلَى الإِرْسَالِ وَالْإِمْسَاكُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُرْسَلُ وَيُمْسِكُ مَا تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ إِرْسَالَهُ وَإِمْسَاكُهُ.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)
ليس المُرَادُ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ ذَكَرَهَا بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَلَكِنْ بِهِ وَبِالْقَلْبِ، وَحِفْظَهَا مِنْ الْكُفْرَانِ وَالْغَمْطِ «٢» وَشُكْرَهَا بِمَعْرِفَةِ حَقِّهَا وَالِاعْتِرَافِ بِهَا وَطَاعَةُ مُوَلِيهَا. وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ: اذْكُرْ أَيَّادَىّ عِنْدَكَ. يُرِيدُ حِفْظَهَا وَشُكْرَهَا وَالْعَمَلُ عَلَى مُوجِبِهَا، وَالْخِطَابِ عَامٌّ لِلْجَمِيعِ لِأَنَّّ جَمِيعَهُمْ مَغْمُورُونَ فِي نِعْمَةِ اللَّهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، حَيْثُ أَسْكَنَكُمْ حَرَّمَهُ وَمَنْعَكُمْ مِنْ جَمِيعِ الْعَالِمِ، وَالنَّاسِ يَتَخَطَّفُونَ مِنْ حَوْلِكُمْ. وَعَنْهُ: نِعْمَةُ اللَّهِ الْعَافِيَةِ. وَقُرِئَ: غَيْرُ اللَّهِ، بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ فَالْجَرَّّ وَالرَّفْعُ عَلَى الْوَصْفِ لَفْظًا وَمُحَلًّا، وَالنَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَحَلُّ يَرِْزُقُكُمْ؟ قُلت: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ إِذَا أَوْقَعَتْهُ صِفَةً لِخَالِقٍ «َ٣» وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ إِذَا رَفَعَتْ مَحَلُّ مَنْ خَالِقَ، بِإِضْمَارٍ يَرْزُقُكُمْ، وَأَوْقَعَتْ يَرْزِقُكُمْ تَفْسِيرًا لَهُ، أَوْ جَعَلْتُهُ كَلَامًا مُبْتَدَأٌ بَعْدَ قَوْلِهِ هَلْ مِنْ خالِقٍ غََيْرُ اللَّهِ.
1 (١) . قوله «يشاء التوبة أبدا» هذا وما بعده على مذهب المعتزلة، من أنه تعالى يجب عليه الصلاح للعبد. وعند أهل السنة: لا يجب عليه شيء، فالكلام على ظاهره، ورده مردود. (ع) (٢) . قوله «وحفظها من الكفران والغمط» أى: الاحتقار. أفاده الصحاح. (ع) (٣) . قال محمود: «إن قلت: ما محل يرزقكم؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق، وأن لا يكون له محل إذا جعلته تفسيرا وجعلت من خالق مرفوع المحل بفعل يدل عليه هذا، كأنه قيل: هل يرزقكم خالق غير الله، أو جعلت يرزقكم كلاما مبتدأ» قال أحمد: والوجه المؤخر أوجهها
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout