وَالْمَعْنَى: إنَّمَا أَعْظَكُمْ بِوَاحِدَةٍ إنْ فَعَلْتُمُوهَا أَصَبْتُمْ الْحَقَّ وَتَخَلَّصْتُمْ: وَهِيَ: أَنْ تَقُومُوا لِوَجْهِ اللَّهِ خَالِصًا. مُتَفَرِّّقَيْنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَوَاحِدًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ، أُمَّّا الِاثْنَانِ: فَيَتَفَكَّرَانِ وَيُعْرِضُ كُلَّّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْصُولٌ فَكُرِهَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَنْظُرَانِ فِيهِ مُتَصَادِقَيْنِ مُتَنَاصِفَيْنَ، لَا يَمِيلُ بِهِمَا اتِّبَاعٌ هَوَى وَلَا يَنْبَضُ لَهُمَا عِرَقٌ عَصَبِيَّةً، حَتَّى يُهْجَمَ بِهِمَا الْفِكْرُ الصَّالِحُ وَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ عَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ وَسُنَنِهِ، وَكَذَلِكَ الْفَرْدُ: يُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ بِعَدْلٍ وَنِصْفَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَابِرَهَا وَيُعْرِضَ فِكْرِهَ عَلَى عَقْلِهِ وَذَهَنِهِ وَمَا اسْتَقَرَّّ عِنْدَهُ مِنْ عَادَاتِ الْعُقَلَاءِ وَمُجَارَى أَحْوَالِهِمْ، وَاَلَّذِي أَوْجَبَ تَفْرُّّقُهُمْ مَثْنًى وَفُرَادَى: أَنَّّ الِاجْتِمَاعَ مِمَّا يَشَوِّّش الْخَوَاطِرَ، وَيُعْمَى الْبَصَائِرَ، وَيُمْنَعُ مِنْ الرَّوِيَّةِ، وَيَخْلِطُ الْقَوْلَ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُلُّ الْإِنْصَافُ، وَيُكْثُرُ الِاعْتِسَافُ، وَيُثُوِّرُ عِجَاجُ التَّعَصُّبِ. وَلَا يَسْمَعُ إلَّا نُصْرَةَ الْمَذْهَبِ، وَأَرَاهُمْ بِقَوْلِهِ مَا بِِصَاحِِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ أن هَذَا الأَمْرَ الْعَظِيمُ الَّذِي تَحْتَهُ مِلْكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا، لَا يَتَصِدَّّى لَا دُعَاءَ مِثْلِهِ إلَّا رَجُلَانِ: إمّا مَجْنُونٌ لَا يُبَالَى بِاقْتِضَاحِهِ إِذَا طُولِبَ بِالْبُرْهَانِ فَعَجَزَ، بَلْ لَا يُدْرَى مَا الِافْتِضَاحُ وَمَا رَقَبَةُ الْعَوَاقِبِ. وَإِمّْا عَاقَلَ رَاجِحَ الْعَقْلِ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوّةِ، مُخْتَارٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَا يَدَّعِيهِ إلَّا بَعْدَ صِحَّتِهِ عِنْدَهُ بِحُجَّتِهِ وَبُرْهَانِهِ، وَإِلَّا فَمَا يُجْدَى عَلَى الْعَاقِلِ دَعْوَى شَيْءٍ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِهِ مِنْ جَنَّةٍ، بَلْ عَلِمْتُمُوهُ أَرْجَحُ قُرَيْشٌ عَقْلًا، وَأَرْزَنَهُمْ حَلْمًا وَأَثْقَبَهُمْ ذَهْنًا وَآصِلُهُمْ رَأْيًا، وَأَصْدَقَهُمْ قَوْلًاً، وَأَنْزَهُهُمْ نَفْسًا، وَأَجْمَعَهُمْ لِمَّا يَحْمَدُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَيَمْدَحُونَ بِهِ، فَكَانَ مَظِنَّةً لِأَنْ تَظُنُّوا بِهِ الْخَيْرَ، وَتَرَجَّحُوا فِيهِ جَانِبُ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كَفَاكُمْ أَنْ تُطَالِبُوهُ بِأَنْ يَأْتِيَكُمْ بِآيَةً، فَإِذَا أَتَى بِهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَذِيرُ مُبَيَّنٌ. فَإِنْ قُلْتَ:
ما بِِصاحِِبِكُمْ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُسْتَأْنِفًا تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى طَرِيقَةِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فَتَعَلَّمُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جَنَّةٍ، وَقَدْ جَوَّّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً بََيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ كقَوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَاَمُ «١»: «َبَعَثْتُ فِي نَسْمِ السَّاعَةِ «٢»» .
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)
فَهُوَ لَكُمْ جزاء الشرط الَّذِي هُو قَوْله مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أََجْرٍ تَقْدِيرُهُ: أَىُّّ شَيْءٌ سَأَلْتُكُمُ
1 (١) . تقدم في الأنبياء. [.....] (٢) . قوله «بعثت في نسم الساعة» في الصحاح «نسم الريح»: أولها حين تقبل بلين قبل أن تشتد. ومنه الحديث «بعثت في نسم الساعة» أى: حين ابتدأت وأقبلت أوائلها. والنسم أيضا: جمع نسمة وهي النفس. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout