[سورَةُ سَبإِ (٣٤): الآيات ١٠ الى ١٣]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحَارِِيبَ وَتَِمَاثِِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)
يا جِبالُ إِمّا أَنْ يَكُونَ بَدَلًاً مِنْ فََضْلًا، وإِمّا مَنْ آتََيَْنَا بِتَقْدِيرِ: قَوْلُنَا يَا جِبَالً.
أَوْ: قُلْنَا يَا جِبَّال. وَقُرِئَ: أَوّْبِى، وَأَوْبَى: مِنَ التَّأْوِيبِ. وَالْأَوْبَ: أَى رَجْعِيٍّ مَعَهُ التَّسْبِيحُ.
أَوْ ارْجِعِي مَعَهُ فِي التَّسْبِيحِ كُلَّمَا رَجَعَ فِيهِ، لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَهُ فَقَدْ رَجَعَ فِيهِ: وَمَعْنَى تَسْبِيحِ الْجِبَالِ:
أنَّّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْلُقُ فِيهَا تَسْبِيحًا كَمَا خَلَقَ الْكَلَامَ فِي الشَّجَرَةِ، فَيَسْمَعُ مِنْهَا مَا يَسْمَعُ مِنَ الْمُسَبَّحِ: مُعْجِزَةً لِدَاوُد. وَقِيلَ: كَانَ يَنُوحُ عَلَى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وَتَحْزِينِ، وَكَانَتْ الْجِبَالُ تَسْعِدُهُ عَلَى نُوحِهِ بِأَصْدَائِهَا «َ١» وَالطَّيْرُ بِأَصْوَاتِهَا. وَقُرْئَ: وَالطَّيْرُ، رَفْعًا وَنَصْبًا، عَطْفًا عَلَى لَفْظِ الْجِبَالِ وَمَحَلُّهَا. وَجَوَّّزُوا أَنْ يَنْتَصِبَ مَفْعُولًا مَعَهُ، وَأَنْ يُعْطِفَ عَلَى فَضْلًا، بِمَعْنَى وَسَخَرْنَا لَهُ الطَّيْرُ. فَإِنْ قُلْت: أَىُّ فَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّظْمِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ وََلَقَدْ آتَيْنا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا تَأْوِيبُ الْجِبَّالِ مَعَهُ وَالطَّيْرُ؟
قُلْت: كم بَيْنَهُمَا. أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِيهِ مِنْ الْفُخَامَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى: مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى عَزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَكَبِرِيَاءِ الْإِلَهِيَّةِ، حَيْثُ جُعَلَتْ الْجِبَالَ مَنْزِّلَةً مَنْزِلَةِ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ إِذَا أَمَرَهُمْ أَطَاعُوا وَأَذْعَنُوا، وَإِذَا دَعَاهُمْ سَمِعُوا وَأَجَابُوا: إِشْعَارًا بِأَنَّهُ مَا مِنْ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ وَنَاطِقٍ وَصَامَتٍ، إِلَّا وَهُوَ مِنْقَادٌ لِمَشِيئَتِهِ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى إِرَادَتِهِ وََأََلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وجَعَلْنَاهُ لَهُ لَيْنَا كَالطِّينِ وَالْعَجِينِ وَالشَّمْعِ، يَصْرِفُهُ بِيَدِهِ كَيْفَ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ وَلَا ضَرْبَ بِمُطْرِقَةٍ. وَقِيلَ: لاَنٌ الْحَدِيدُ فِي يَدِهِ لَمَّا أَوْتَى مِنْ شَدَّّةِ الْقَوَّةِ. وَقُرِئَ صَابِغَاتٍ، وَهِيَ الدُّرُوعُ الْوَاسِعَةُ الضَّافِيَةُ، وَهُوَ أَوَّّلُ مَنْ اتَّخَذَهَا وَكَانَتْ قَبْلَ صَفَائِحَ. وَقِيلَ:
كَانَ يَبِيعُ الدَّرْعَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَيُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَيَتَصَدَّّقٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ:
كَانَ يَخْرُجُ حِينَ مَلَكِ بَنَى إِسْرَائِيلَ مُتَنَكِّرًا، فَيَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي دَاوُد؟
فَيَثْنُونَ عَلَيْهِ، فَقِيضَ اللَّهُ لَهُ مِلْكًا فِي صُورَةِ آدَمَى فَسَأَلَهُ عَلَى عَادَتِهِ، فَقَالَ: نَعَمْ الرَّجُلُ لَوْلَا خَصْلَةَ فِيهِ فَرِيعٌ دَاوُد، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهُ يُطْعِمُ عِيَالَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَسَأَلَ عِنْدَ ذَلِكَ رَبُّهُ أَنْ يُسَبِّبَ لَهُ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَعَلِمَهُ صَنْعَةُ الدُّرُوعِ وََقَدِّرْ لا تَجْعَلُ الْمَسَامِيرُ دِقَاقًا فَتَقَلَّقَ، وَلَاَ غُلَاَظًا فَتَفَصَّمُ الْحَلْقُ. وَالسَّرْدُ: نَسَجَ الدُّرُوعِ وََاعْمَلُوا الضَّمِيرُ لِدَاوُد وَأَهْلِهُ وََسَخَرْنَا لِِسُلَيْمانَ الرِّيحَ فِيمَنْ نَصَبَ: وَلِسُلَيْمَانِ الرِّيحِ مُسْخَّرَةٌ، فِيمَنْ رَفَعَ، وَكَذَلِكَ فِيمَنْ قَرَأَ:
1 (١) . قوله «بأصدائها» جمع صدى، وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، كذا في الصحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout