كَيْفَ عَاتَبَهُ اللَّهُ فِي سَتْرِ مَا اسْتُهْجَنَ التَّصْرِيحُ بِهِ وَلَا يَسْتَهْجِنُ النَّبِىُّّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ التَّصْرِيحَ بِشَيْءٍ إلَّا وَالشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ مُسْتَهْجِنٌ، وَقَالَةُ النَّاسِ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَا يَسْتَقْبَحُ فِي الْعُقُولِ وَالْعَادَاتِ؟ وَمَالِهِ لَمْ يُعَاتِبْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَمْعِ الشَّهْوَةِ وَكَفّ النَّفْسِ عَنْ أَنْ تَنَازَعَ إلَى زَيْنَبٍ وَتَتَبَعَهَا؟
وَلَمْ يَعْصِمْ نَبِيُّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ تَعَلُّقِ الْهِجْنَةِ بِهِ وَمَا يَعْرِضُهُ لِلْقَالَةِ؟ قُلْت: كَم مِنْ شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ وَيُسْتَحْيَى مِنْ اطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ مُتَّسِعً، وَحَلَالٌ مُطْلَقٍ، لَا مَقَالَ فِيهِ وَلَا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ، وَرُبَّمَا كَانَ الدُّخُولُ فِي ذَلِكَ الْمُبَاحِ سَلَمًا إلَى حُصُولٍ وَاجِبَاتٍ يَعْظُمُ أَثَرَهَا فِي الدَّيْنِ وَيَجِلُّ ثَوَابُهَا، وَلَوْ لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنْهُ لَأَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِيهِ أَلْسِنَتُهُمْ إلَّا مَنْ أُوْتَى فَضْلًا وَعِلْمًا وَدِيْنًا وَنَظَرًا فِي حَقَائِقِ الْأُمُورِ وَلُبُوبِهَا دُونَ قُشُورِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا طَمِعُوا فِي بُيُوتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقُوا مُرْتَكِزِينَ فِي مَجَالِسِهِمْ لَا يُرِيمُونَ مُسْتَأْنَسَيْنَ بِالْحَدِيثِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْذِيهِ قُعُودُهُمْ وَيُضِيِّقُ صَدْرُهُ حَدِيثُهُمْ، وَالْحَيَاءُ يَصِدُّهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِانْتِشَارِ، حَتَّى نَزَلَتْ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ولو أَبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكِنُونٌ ضَمِيرَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْتَشِرُوا، لَشِقَّ عَلَيْهِمْ، وَلَكَانَ بَعْضُ الْمَقَالَةِ، «١» فَهَذَا مِنْ ذَاكَ الْقَبِيلِ، لِأَنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الْإِنْسَانِ إِلَى بَعْضِ مُشْتَهِيَاتِهِ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِالْقُبْحِ فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الشَّرْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ وَلَا وُجُودُهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أَيْضًا، وَهُوَ خُطْبَةُ زَيْنَبٍ وَنِكَاحِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِنْزَالِ زَيْدٍ عَنْهَا، وَلَا طَلَبَ إلَيْهِ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ زَرَّّ قَمِيصَهُ أَنَّ يُوَاسِيَهُ بِمُفَارَقَتِهَا، مَعَ قُوَّةِ الْعِلْمِ بِأَنَّ نَفْسَ زَيْدٍ لَمْ تَكُنْ مِنْ التَّعَلُّقِ بِهَا فِي شَيْءٍ، بَلْ كَانَتْ تَجْفُو عَنْهَا، وَنَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَلِّقَةً بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِرًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ عَنْ امْرَأَتِهِ لِصَدِيقِهِ، وَلَا مُسْتَهِجِنًا إذَا نَزَلَ عَنْهَا أَنْ يَنْكِحَهَا الْآخَرَ، فَإِنَّّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ اُسْتُهْمَ الْأَنْصَارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ نَزَلَ عَنْ إحْدَاهُمَا وَأَنْكَحَهَا الْمُهَاجِرُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُبَاحًا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْقُبْحِ وَلَا مَفْسَدَةٍ وَلَا مُضَرَّّةٍ بِزَيْدٍ وَلَا بِأَحَدٍ، بَلْ كَانَ مُسْتَجِرًّا مُصَالِحً، نَاهِيكَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا أَنَّ بِنْتَ عَمَّةَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِنَتْ الْأَيْمَةُ وَالضَّيْعَةُ وَنَالَتْ الشَّرَفُ وَعَادَتْ أَمَّا مِنْ أُمِّّهَاتِ الْمُسْلِمِينَ. إلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامِّّةِ فِي قَوْلِهِ لِِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا فبِالْحُرِّى أَنْ يُعَاتِبَ اللَّهُ رَسُولَهُ حِينَ كَتَمَهُ وَبَالِغَ فِي كَتْمِهِ بِقَوْلِهِ أََمِْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وأَن لا يَرْضِى لَهُ إِلاَّ اتِّحَادَ الضَّمِيرِ وَالظَّاهِرُ، وَالثَّبَاتِ
1 (١) . قوله «ولكان بعض المقالة» لعله: القالة. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout