الِاخْتِصَاصُ، أَى نُرِيدُ بِإِلَهِ آبَائِكَ إلَهًَا وَاحِدًًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ حال مَنْ فَاعِلِ نَعْبَدٍ، أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، لِرُجُوعِ الْهَاءِ إِلَيْهِ فِي لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلَى نَعْبُدٍ، وَأَنْ تَكُونَ جُمْلَةً اعْتِرَاضِيَّةً مُؤَكَّدَةً، أَىْ وَمَنْ حَالِنَا أَنَا لَهُ مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ التَّوْحِيدُ أَوْ مَذْعِنُونَ.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)
تِلْكَ إشارة إلى الأُمّة الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ إِبْرَاهِيمُ وَيَعْقُوبُ وَبَنُوهُمَا الْمُوَحِّدُونَ. وَالْمَعْنَى:
أنّ أَحَدًًا لَا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ مُتَقَدِّّمًًا كَانَ أَوْ مُتَأَخِّرًٌا، فَكَمَا أَنَّ أُولَئِكَ لَاَ يَنْفَعُهُمْ إِلَّاَّ مَا اكْتَسَبُوا، فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ لَاَ يَنْفَعُكُمْ إِلَّاَّ مَا اكْتَسَبْتُمْ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ افْتَخَرُوا بِأَوَائِلِهِمْ. وَنَحْوِهِ قَوْلُ رَسُولِ اللََّّه صلى الله عليه وسلم: «َيًّا بَنَى هَاشِمٍ، لاَ يَأْتِينِى النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ وَتَأْتُونِى بِأَنْسَابِكُمْ «١»» وََلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وَلاَ تُؤَاخِذُونَ بِسَيِّئَاتِهِمْ كَمَا لَاَ تَنْفَعُكُمْ حَسَنَاتُهُمْ.
وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارِى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)
بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ بلْ تَكُونُ مَلَّةِ إِبْرَاهِيمَ أَىُّ أَهْلِ مِلَّتِهِ كَقَوْلِ عَدِىِّّ بْنِ حَاتِمٍ. إِنِّى مِنْ دَيْنٍ «َ٢»» يُرِيدُ مِنْ أَهْلِ دِيْنٍ. وَقِيلَ: بَلْ نَتْبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ. وَقُرِئَ: (مِلَةُ إِبْرَاهِيمَ) بِالرَّفْعِ، أَى مِلَّتَهُ مُلَّتَنَا، أَوْ أَمَرْنَا مِلَّتَهُ، أَوْ نَحْنُ مِلَّتِهُ بِمَعْنَى أَهْلِ مِلَّتِهِ. وَحَنَِيفًا حَالَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَقَوْلِكَ:
رَأَيْتِ وَجْهُ هِنْدٍ قَائِمَةً. وَالْحَنِيفُ: الْمَائِلُ عَنْ كُلِّ دَيْنٍ بَاطِلٌ إِلَى دِيْنِ الْحَقِّ. وَالْحَنَفَ: الْمَيْلُ فِي الْقَدَمَيْنِ. وَتَحْنَفُ إِذَا مَالَ. وَأَنْشَدَ:
وَلكِنّا خُلِقْنَا إِذْ خُلِقْنَا … حَنِيفًا دِينُنَا عَنْ كُلِّ دِينِ «٣»
وَما كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تَعْرِيضٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُدَّعَى اتِّبَاعَ إِبْرَاهِيمَ
1 (١) . لم أجده. (٢) . أخرجه ابن سعد من رواية ابن سيرين عن أبى عبيدة بن حذيفة. قال: قال عدى بن حاتم. فذكر قصة إسلامه. وفيه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم «يا عدى، أسلم تسلم. قال: إنى من دين. قال أنا أعلم بدينك منك» (٣) . الحنف والتحنف: الميل. والحنيف: المائل عن الباطل إلى الحق. يقول: خلقنا حال كوننا مائلا ديننا عن الأديان الباطلة كلها إلى دين أبينا إبراهيم، لأن العرب اتفقت على أنه حق، وذلك من وقت ابتداء خلقنا، فإذا: ظرف للخلق الأول بعد تقييده بالحال بعده.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout