الْكَرَامَةُ عِنْدَ اللََّّه فِي الدَّارَيْنِ، بِأَنْ كَانَ صَفْوتُهُ وَخِيَّرَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَكَانَ مَشْهُودًًا لَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْخَيْرِ فِي الْآخِرَةِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى بِالرَّغْبَةِ فِي طَرِيقَتِهِ مِنْهُ إِذْ قَالََ ظَرْفٌ لَاصْطَفِيْنَاهُ، أَى:
اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. أَوْ انْتَصَبَ بِإِضْمَارٍ «َاذْكَرَ» اسْتِشْهَادًًا عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ حَالِهِ. كَأَنَّهُ قِيلَ:
اذْكُرْ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِتَعْلُّمِ أَنَّهُ الْمُصْطَفَى الصَّالِحُ الَّذِي لَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ. وَمَعْنًى قَالَ لَهُ: أَسْلَمُ، أَخْطَرَ بِبَالِهِ النَّظَرَ فِي الدَّلَائِلِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِسْلَامِ قَالََ أََسْلَمْتُ أَى فَنَظَرَ وَعُرْفَ.
وَقِيلَ أَسْلَمْ: أَىُّ أَذْعَنَْ وَأَطْعِْ. وَرَوِىَ أَنَّّ عَبْدَ اللََّّهِ بْنُ سَلاَمٍ دَعَا ابْنَيْ أَخِيهِ سَلَمَةَ وَمُهَاجِرًُا إِلَى الْإِسْلَاَمِ فَقَالَ لَهُمَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّّ اللََّّه تَعَالَى قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: إِنِّى بَاعَثٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَمَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَى وَرُشْدٌ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ مَلْعُونَ. فَأَسْلَمَ سَلَمَةً وَأَبَى مُهَاجِرٌ أَنْ يُسَلِّمَ، فَنَزَلَتْ.
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)
قرئ: وأُوصى، وهِي فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ. وَالضَّمِيرُ فِي بِِهَا لِقَوْلِهِ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ وَالْجُمْلَةِ، وَنَحْوِهِ رُجُوعُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً) إِلى قوله: (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) وقوله: كَلِمَةُ بَاقِيَةً، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّأْنِيثَ عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ وََيَعْقُوبُ عَطف عَلَى إِبْرَاهِيمَ، دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ. وَالْمَعْنَى: وَوَصَّى بِهَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ أَيْضًا.
وَقُرِئَ: وَيَعْقُوبُ، بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى بَنِيهِ. وَمَعْنَاهُ: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَنَافِلَتُهُ يَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ عَلى إِضْمَارِ الْقَوْلِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَتَعَلَّقُ بِوَصِيٍّ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ.
وَنَحْوِهِ قَوْلُ الْقَائِلِ:
رَجْلَانِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانَا … إِنّا رَأيُّْنَا رَجُلًا عُرْيَانَا «١»
بكسر الهمزَةِ: فَهُوَ بِتَقْدِيرِ الْقَوْلِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْإِخْبَارِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِىّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ يَا بَنَىًَّّ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ أَعْطَاكِم الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ صَفْوَةُ الأَدْيَانِ وَهُوَ دِيْنُ الإِسْلَاَمِ.
وَوَفَّقَكُمْ لِلْأَخْذِ بِهِ فََلا تَمُوتُنَّ مَعْنَاهُ فَلَاَ يَكُنْ مَوْتَكُمْ إِلَّا عَلَى حَالِ كَوْنِكُمْ ثَابِتَيْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَالنَّهْيُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلَى خِلَافِ حَالِ الْإِسْلَامِ إِذَا مَاتُوا، كَقَوْلِكَ: لَاَ تُصَلُّّ إِلَّا وَأَنْتَ
1 (١) . رجلان بالسكون للتخفيف والوزن، كما يسكن عضد. وضبة: اسم قبيلة. وروى بدله «من مكة» والاخبار فيه معنى القول، فلذلك كسرت بعده إن على الحكاية، أى قالا لنا ذلك القول وهو: أنا رأينا. ومذهب الكوفيين أن الجملة المحكية في محل نصب بالفعل المذكور. ومذهب البصريين بقول مقدر. وقال بعضهم: الظاهر أنها مفسرة فلا محل لها، وروى بالفتح على حذف الجار، أى بأنا رأينا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout