يُعْلَمُ مَا يَصْلُحُ الْعِبَادُ وَمَا يُفْسِدُهُم.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)
استحمِد رَسُول الله صلى الله علَيه وسَلَّم عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ أَقَرَّ بِنَحْوِ مَا أَقَرُّوا بِهِ ثُمَّ نَفَعَهُ ذَلِكَ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَنَفَى الأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا عَاطِلًا كَاقْرَارِ الْمُشْرِكِينَ، وَعَلَى أَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَسِبُوا النِّعْمَةَ إِلَى اللَّهِ وَقَدْ جَعَلُوا الْعِبَادَةَ لِلصَّنَمِ، ثُمَّ قَالَ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ما يَقُولُونَ وَمَا فِيهِ مِنْ الدَّلَاَلَةِ عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ وَصِحَّةِ التَّوْحِيدِ. أَوْ لَاَ يَعْقِلُونَ مَا تُرِيدُ بِقَوْلِكِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَاَ يُفْطِنُونَ لَمْ حَمِدْتُ اللَّهُ عِنْدَ مَقَالَتِهِمْ؟
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)
هذِهِ فيها ازدِراءُ للدُّنْيَا وَتَصْغِيرٌ لِأَمْرِهَا، وَكَيْفَ لَاَ يَصْغِرُهَا وَهِيَ لَاَ تَزِنُ عِنْدَهُ جُنَاحٌ بِعِوْضَةٍ. يُرِيدُ: مَا هِيَ- لِسُرْعَةِ زَوَالِهَا عَنْ أَهْلِهَا وَمَوْتِهِمْ عَنْهَا- إِلَّاَّ كَمَا يَلْعَبُ الصِّبْيَانَ سَاعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ وََإِِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ أى لَيْسَ فِيهَا إِلاَّ حَيَاةً مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةٌ خَالِدَةٌ لَاَ مَوْتُ «١» فِيهَا، فَكَأَنَّهَا فِي ذَاتِهَا حَيَاةً. وَالْحَيَوَانُ: مَصْدَرٌ حَيّ، وَقِيَاسُهُ حَيْيَانٌ، فَقَلِبَتْ الْيَاءُ الثَّانِيَةُ وَاوا، كَمَا قَالُوا: حَيْوَةً، فِي اسْمِ رَجُلٍ، وَبِهِ سَمَّى مَا فِيهِ حَيَاةٌ: حَيَوَانًا. قَالُوا: اشْتَرِ مِنَ الْمَوْتَانِ، وَلَاَ تُشْتَرُ مِنَ الْحَيَوَانِ «٢» . وَفِي بِنَاءِ الْحَيَوَانِ زِيَادَةُ مَعْنًى لَيْسَ فِي بِنَاءِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ مَا فِي بِنَاءِ فِعْلَانٍ مِنْ مَعْنَى الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ، كَالنُّزْوَانِ وَالنُّغْصَانِ وَاللَّهِبَانِ «٣»، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالْحَيَاةُ: حَرَكَةً، كَمَا أَنَّ الْمَوْتَ سُكُونٌ، فَمَجِيئُهُ عَلَى بِنَاءٍ دَالٍّ عَلَى مَعْنَى الْحَرَكَةِ، مُبَالَغَةٌ فِي مَعْنَى الْحَيَاةِ، وَلِذَلِكَ اُخْتِيرَتْ عَلَى الْحَيَاةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُقْتَضَى لِلْمُبَالَغَةِ لََوْ كَانَُوا يََعْلَمُونَ فَلَمْ يُؤَثِّرُوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَيْهَا.
1 (١) . قال محمود: «إنما عدل عن الحياة إلى هذا البناء تنبيها على تعظيم حياة الآخرة ودوامها» قال أحمد: والذي يخص هذا البناء به إفادة ما لا يخلو من الحركة، كالنزوان والجولان. والحيوان من ذلك، والله أعلم. (٢) . قوله «اشتر من الموتان … الخ» الذي في الصحاح: اشتر الموتان، ولا تشتر الحيوان. أى: اشتر الأرض والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب اه (ع) (٣) . قوله «كالنزوان والنغضان واللهبان» في الصحاح «اللهبان» بالتحريك: اتقاد النار. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout