بَلَى أَدْرِكَ، وَبَلَى أَأَدُرُكَ؟ قُلْت: لَمَّا جَاءَ بِبَلَى، بَعْدَ قَوْلِهِ وََمَا يَشْعُرُونَ كَانَ مَعْنَاهُ: بَلِى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: أَدْرَكَ عِلْمَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى سَبِيلِ التُّهَكُّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفَى الْعِلْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: شُعُورُهُمْ بِوَقْتِ الآخِرَةِ أَنَّهُمْ لَاَ يَعْلَمُونَ كَوْنَهَا، فَيَرْجِعُ إِلَى نَفَى الشُّعُورِ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَكُونُ. وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: بَلَى أَأَدُرُكَ؟ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فَمَعْنَاهُ: بَلَى يَشْعُرُونَ مَتَى يَبْعَثُونَ، ثُمَّ أَنْكَرَ عِلْمَهُمْ بِكَوْنِهَا، وَإِذَا أَنْكَرَ عِلْمُهُمْ بِكَوْنِهَا لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُمْ شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِهَا، لِأَنَّّ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكَائِنِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الْكَائِنِ فَِي الْآخِِرَةِ فِي شَأْنِ الآخِرَةِ وَمَعْنَاهَا فَإِنْ قُلْت، هَذِهِ الِاضْرَابَاتُ الثَّلَاثَ مَا مَعْنَاهَا؟ قُلْت: مَا هِيَ إِلَّا تَنْزِيلٌ لِأَحْوَالِهِمْ: وَصْفَهُمْ أَوَّلًا بِأَنَّهُمْ لَا يَشْعِرُونَ وَقْتَ الْبَعْثِ، ثُمَّ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِيَامَةَ كَائِنَةً، ثُمَّ بِأَنَّهُمْ يَخْبِطُونَ فِي شَكٍّ وَمَرْيَةٍ فَلَا يُزِيلُونَهُ وَالْإِزَالَةُ مُسْتَطَاعَةٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ وَتَضْلِيلُ أَرْبَابِهَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: كَانَ أَمْرَهُ أَهْوَنُ مِمَّنْ سَمِعَ بِهَا وَهُوَ جَاثِمٌ لَا يَشَخَّصُ بِهِ طَلَبُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ثُمَّ بِمَا هُوَ أَسْوَأُ حَالًّا وَهُوَ الْعَمَى، وَأَنْ يَكُونَ مِثْلُ الْبَهِيمَةِ قَدْ عَكَفَ هَمُهُ عَلَى بَطْنِهِ وَفَرْجِهُ، لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ حَقًّا وَلَا بَاطِلَا.
وَلَاَ يُفَكِّرُ فِي عَاقِبَةٍ. وَقَدْ جَعَلَ الْآخِرَةَ مُبْدَأٌ عَمَّاهُمْ وَمَنْشَأَهُ فَلِذَلِكَ عَدَّاهُ بِمَنْ دُونَ عَنْ، لِأَنَّّ الْكُفْرَ بِالْعَاقِبَةِ وَالْجَزَاءِ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ كَالْبَهَائِمِ لَاَ يَتَدَبَّرُونَ وَلَاَ يَتَبَصَّرُونَ.
[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ الى ٦٨]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُُنا أَإِِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآبَاؤُُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِِّيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
العامل في إِذا ما دلّ عليهِ أَإِِنَّا لَمُخْرَجُونَ وهو نخرِج، لِأَنَّّ بَيْنَ يَدَيْ عَمَلَ اسْمِ الْفَاعِلِ «١» فِيهِ عِقَابًا وَهِيَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَإِنَّ وَلَامَ الِابْتِدَاءِ وَوَاحِدَةٌ مِنْهَا كَافِيَةً، فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعْنَ؟
وَالْمُرَادُ: الإِخْرَاجُ مِنَ الْأَرْضِ. أَوْ مِنْ حَالِ الْفِنَاءِ إِلَى الْحَيَاةِ، وَتَكْرِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ بِإِدْخَالِهِ عَلَى «َإِذَا»ٍ وَ«َإِنَّ»ٍ جَمِيعًا إنْكَارٌ عَلَى إنْكَارٍ، وَجُحُودٍ عَقِيبٍ جُحُودٍ، وَدَلِيلٌ عَلَى كُفْرٍ مُؤَكَّدٍ مُبَالِغٌ فِيهِ. وَالضَّمِيرُ فِي إِِنَّا لَهُمْ وَلِآبَائِهِمْ، لِأَنَّّ كَوْنَهُمْ تُرَابًا قَدْ تَنَاوَلَهُمْ وَآبَاءَهُمْ. فَإِنْ قُلْت: قَدَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَذَا عَلَى نََحْنُ وَآبَاؤُُنا وَفِي آيَةٍ أُخْرَى فَدَّم نََحْنُ وَآبَاؤُُنا عَلَى هَذَا؟ قُلْت.
التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُقَدَّّمَ هُوَ الْغَرَضُ الْمُتَعَمِّدُ بِالذِّكْرِ، وَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا سِيقٌ لِأَجْلِهِ، فَفِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ دَلَّّ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْبَعْثِ هُوَ الَّذِي تَعَمَّدُ بِالْكَلَامِ، وَفِي الْأُخْرَى عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ الصَّدَدِ.
1 (١) . قوله «اسم الفاعل فيه عقابا» لعله اسم المفعول وعقابا جمع عقبة. أفاده الصحاح. وعبارة النسفي: لأن اسم الفاعل والمفعول- بعد همزة الاستفهام أو أن أو لام الابتداء- لا يعمل فيما قبله، فكيف إذا اجتمعن. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout