[سُورَةُ النَّمْلِ (٢٧): الآيات ٥٩ الى ٦٠]
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)
أمر رسُوله صلى الله عليه وسَلم أَنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآيَاتِ النَّاطِقَةَ بِالْبَرَاهِينَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَحِكْمَتِهُ، وَأَنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَالْمُصْطِفِينَ مِنْ عِبَادِهِ. وَفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وَتَوْقِيفٍ عَلَى أَدَبِ جَمِيلٍ، وَبَعَثَ عَلَى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ، وَالتَّبَرُّكِ بِهِمَا، وَالِاسْتِظْهَارُ بِمَكَانِهِمَا عَلَى قَبُولِ مَا يُلْقَى إِلَى السَّامِعِينَ وَإِصْغَائِهِمْ إِلَيْهِ، وَإِنْزَالِهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي يَبْغِيهَا الْمُسْمِعُ. وَلَقَدْ تَوَارَثَ الْعُلَمَاءَ وَالْخُطَبَاءَ وَالْوِعَاظَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ هَذَا الْأَدَبَ، فَحَمِدُوا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَصَلُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَامَ كُلُّ عِلْمٍ مُفَادٌ وَقَبْلَ كُلِّ عِظَّةٍ وَتَذْكِرَةٍ، وَفِي مُفْتَتِحٍ كُلِّ خُطْبَةٍ، وَتَبِعَهُمْ الْمُتَرَسِّلُونَ فَأَجَرُوا عَلَيْهِ أَوَائِلُ كَتُبَهُمْ فِي الْفُتُوحِ وَالتَّهَانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَهَا شَأْنٌ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَأَمَرَ بِالتَّحْمِيدِ عَلَى الْهَالِكِينَ مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَأَشْيَاعُهُمْ النَّاجِينَ. وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلْوَطِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهُ عَلَى هَلَاكِ كُفَّارٍ قَوْمِهِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَنَجَّاهُ مِنْ هَلَكَتِهِمْ وَعَصَمِهِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ. مَعْلُومٌ أَنْ لَا خَيْرَ فِيمَا أَشْرَكُوهُ أَصْلًاً حَتَّى يُوَازِنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ كُلُّ خَيْرٍ وَمَالِكِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلْزَامٌ لَهُمْ وَتَبْكِيتُ «١» وَتَّهَكُمَ بِحَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ آثَرُوا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ عَاقِلٌ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ إِلَّا لِدَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَى إيثَارِهِ مِنْ زِيَادَةِ خَيْرٍ وَمَنْفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهُمْ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيمَا آثَرُوهُ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَثِّرُوهُ لِزِيَادَةِ الْخَيْرِ وَلَكِنْ هَوَى وَعَبْثًا، لِيَنْبِّهُوا عَلَى الْخَطَإِ الْمُفْرِطِ وَالْجَهْلِ الْمُوَرِّطِ وَإِضْلَالُهُمْ التَّمْيِيزُ وَنَبَذُهُمْ الْمَعْقُولُ وَلْيَعْلَمُوا أَنَّّ الْإِيثَارَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْخَيْرِ الزَّائِدِ. وَنَحْوِهِ مَا حَكَاهُ عَنْ فِرْعَوْنٍ أََمْ أََنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمُوسَى مِثْلَ أَنْهَارِهِ الَّتِي كَانَتْ تَجْرَى تَحْتَهُ. ثُمَّ عَدَّدُ سُبْحَانَهُ الْخَيْرَاتِ وَالْمَنَافِعُ الَّتِي هِيَ آثَارُ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، كَمَا عَدَّدُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ. وَقُرِئَ: يُشْرِكُونَ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ. وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا يَقُولُ «َبَلَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأَجَلٌ وَأَكْرَمُ «َ٢»» .
1 (١) . قال محمود: «معلوم أن لا خير فيما أشركوه حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، وإنما هو إلزام لهم وتبكيت» قال أحمد: كلام مرضى بعد أن تضع خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مكان قوله «خالق كل خير» فانه تخصيص قدرى: أو إشراك خفى. والتوحيد الأبلج: ما قلناه، والله سبحانه وتعالى أعلم. (٢) . كذا ذكره الثعلبي بغير إسناد. وأخرجه البيهقي في الشعب في الباب التاسع من رواية جابر الجعفي عن أبى جعفر قال «كان على بن الحسين يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ختم القرآن- فذكر حديثا طويلا- وفيه والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون؟ بل الله خير وأجل وأبقى وأكرم وأعظم مما يشركون» .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout