أُمَرَاءِ الْأَطْرَافِ شَيْءٌ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ لِلْمِلْكِ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَيَسْتَخْدِمُهُمْ. وَمَنْ نَوْكَى الْقِصَاصَ «َ١» مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ وََلَها عَرْشٌ ثُم يَبْتَدِئُ عَظِيمٌ وَجَدْتُها يُرِيد: أَمْرَ عَظِيمٌ، أَنَّ وَجَدْتَهَا وَقَوْمُهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ، فَرَّّ مِنْ اسْتِعْظَامِ الْهَدْهَدِ عَرْشَهَا، فَوَقَعَ فِي عَظِيمَةٍ وَهِيَ مَسْخُ كِتَابِ اللَّهِ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ قَالَ وََأَُوِتَِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَع قَوْلِ سُلَيْمَانَ وََأَُوَتَِيَنَا مَِنْ كُلِّ شَيْءٍ كأَنَّه سوّى بَيْنَهُمَا؟ قُلْت: بَيْنَهُمَا فَرَّقَ بَيْنَ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَطْفُ قَوْلُهُ عَلَى مَا هُوَ مُعْجِزَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ مَنْطِقِ الطَّيْرِ، فَرَجَعَ أَوَّّلا إِلَى مَا أَوْتَى مِنْ النُّبُوّةِ وَالْحِكْمَةِ وَأَسْبَابِ الدِّينِ، ثُمَّ إِلَى الْمِلْكِ وَأَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَعَطْفَهِ الْهَدْهَدُ عَلَى الْمِلْكِ فَلَمْ يُرِدْ إِلَّاَّ مَا أُوتِيْتُ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا اللَّائِقَةِ بِحَالِهَا فَبَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بَوْنَ بَعِيدٍ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ خَفَى عَلَى سُلَيْمَانَ مَكَانَهَا وَكَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَ مَحْطِهِ وَبَيْنَ بَلَدِهَا قَرِيبَةٌ، وَهِيَ مَسِيرَةٌ ثَلَاَثٌ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَمَأْرِبٍ؟ قُلْت: لَعَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَخْفَى عَنْهُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا، كَمَا أَخْفَى مَكَانَ يُوسُفُ عَلَى يَعْقُوبَ.
[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٤ الى ٢٦]
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)
فإن قُلت: مَنْ أَيْنَ لِلْهُدْهُدِ التَّهْدَى إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوُجُوبِ السُّجُودِ لَهُ، وَإِنْكَارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وَإِضَافَتِهِ إِلَى الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ؟ قُلْت: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْهِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ كَمَا أَلْهَمَهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الطُّيُورِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ الْمَعَارِفِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي لَا يَكَادُ الْعُقَلَاءُ الرِّجَاحَ الْعُقُولَ يَهْتَدُونَ لَهَا، وَمَنْ أَرَادَ اسْتِقْرَاءَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الْحَيَوَانِ، خُصُوصًا فِي زَمَنٍ نَبِىٍّّ سَخَرَتْ لَهُ الطُّيُورَ وَعُلِمَ مَنْطِقَهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ. مَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ: فَصَدَّّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ لِئَلَّا يَسْجُدُوا فَحَذَفَ الْجَارَ مَعَ أَنَّ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «َلَا»ٌ مُزِيدَةً، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَهُمْ لَاَ يَهْتَدُونَ إِلَى أَنْ يَسْجُدُوا. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ، فَهُوَ أَلا يَسْجُدُوا. أَلا لِلتَّنْبِيهِ، وَيَا حَرْفَ النِّدَاءِ، وَمُنَادَاهُ مَحْذُوفٌ، كَمَا حَذَفَهُ مَنْ قَالَ:
أَلاَ يَا أَسْلِمِي يَا دَارَ مَىّ عَلَى الْبَلِّىِّ «٢»
1 (١) . قوله «ومن نوكى القصاص» النوكى: جمع أنوك، وهو الأحمق. (ع) (٢) . ألا يا أسلمي يا دار مى على البلى … ولا زال منهلا بجرعائك القطر لذي الرمة. وألا استفتاحية للتنبيه، فلا معنى ليا إلا النداء. والمنادى بها محذوف، تقديره: يا دارمى أسلمي، فاستغنى عنه بما بعده، وحذفه اهتماما بطلب السلامة لها. وفي تكرير ندائها: نوع تفجع. ومى: مرخم مية. وترخيم المضاف إليه: ضرورة حسنها سبق النداء. وعلى: بمعنى مع، أى: اسلمي ولو كنت بالية، لأنه إن لم تبق الدار كفتني الآثار. ومنهلا: منصبا، والجرعاء: مؤنث الأجراع، وهو الموضع المختلط ترابه بالحصى. والقطر: المطر، يدعو لها بالخصب.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout