[سُورَةُ النَّمْلِ (٢٧): الآيات ٤ الى ٥]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)
فإِن قُلت: كَيْفَ أَسْنَدُ تَزْيِينُ أَعْمَالِهِمْ إِلَى ذَاتِهِ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ فِي قَوْلِهِ وََزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ؟ قُلت: بَيْنَ الإِسْنَادَيْنِ فَرْقٌ، وَذَلِكَ أَنَّّ إِسْنَادَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ حَقِيقَةً، وَإِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ «َ١» مَجَازً، وَلَهُ طَرِيقَانِ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَجَازِ الَّذِي يُسَمَّى الِاسْتِعَارَةَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَجَازِ الْحُكْمَىِّّ، فَالطَّرِيقُ الْأَوَّّل: أَنَّهُ لَمَّا مُتَعَهُمْ بِطُولِ الْعُمُرِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَجَعَلُوا إنْعَامَ اللَّهِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانُهُ إِلَيْهِمْ ذَرِيعَةٌ إِلَى اتِّبَاعِ شَهَوَاتِهِمْ وَبَطْرِهُمْ وَإِيثَارُهُمْ الرُّوحُ وَالتَّرَفُهُ، وَنِفَارِهُمْ عَمَّا يَلْزَمُهُمْ فِيهِ التَّكَالِيفُ الصَّعْبَةُ وَالْمُشَاقُ الْمُتَّعِبَةُ، فَكَأَنَّهُ زَيْنٌ لَهُمْ بِذَلِكَ أَعْمَالُهُمْ. وَإِلَيْهِ أَشَارَتْ الْمَلَائِكَةُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ وََلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ والطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ إِمْهَالَهُ الشَّيْطَانِ وَتَخْلِيَتُهُ حَتَّى يُزَيِّنَ لَهُمْ مُلَابَسَةً ظَاهِرَةً لِلتَّزْيِينِ، فَأَسْنَدَ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمَجَازَ الْحُكْمَىّ يَصَحِّحُهُ بَعْضُ الْمُلَابَسَاتِ. وَقِيلَ: هِيَ أَعْمَالُ الْخَيْرِ الَّتِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوهَا: زِيْنَهَا لَهُمُ اللَّهُ فَعَمَّهُوا عَنْهَا وَضَلُّوا، وَيُعْزَّى إِلَى الْحَسَنِ. وَالْعَمِّهِ:
التَّحِيُّرُ وَالتَّرَدُّّد، كَمَا يَكُونُ حَالُ الضَّالِّ عَنِ الطَّرِيقِ. وَعَنْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ: أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ وَمَا أَبْصَرَهَا قَطُّ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ عُمَّهِيْنِ، أَرَادَ: مُتَرَدِّّدَيْنِ فِي أَعْمَالِهِمْ وَأَشْغَالِهِمْ سُوءُ الْعَذابِ الْقَتْل وَالأَسْرُ يَوْمَ بَدْرً. وَالْأََخْسَرُونَ أَشدّ النَّاسُ خُسْرَانَا، لِأَنَّهُمْ لَوْ آمَنُوا لَكَانُوا مِنَ الشُّهَدَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، فَخَسَّرُوا ذَلِكَ مَعَ خُسْرَانِ النَّجَاةِ وَثَوَابُ اللَّهِ.
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)
1 (١) . قال محمود: «إن قلت كيف أسند التزيين إلى ذاته وقد أسنده إلى الشيطان في قوله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ قلت: إن بين الاسنادين فرقا، فالاسناد إلى الله مجاز، وإلى الشيطان حقيقة. وقد روى عن الحسن أن المراد زينا لهم أعمال البر فعمهوا عنها ولم يهتدوا إلى العمل بها» قال أحمد: وهذا الجواب مبنى على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح والأصلح، وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة، فمن ثم جعل إسناد التزيين إلى الله تعالى مجازا، وإلى الشيطان حقيقة، ولو عكس الجواب لفاز بالصواب، وتأمل ميله إلى التأويل الآخر: من أن المراد أعمال البر على بعده، لأنه لا يعرض لقاعدته بالنقض، وأتى لهم ذلك وقد اتى الله بنيانهم من القواعد، على أن التزيين قد ورد في الخير في قوله تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ على أن غالب وروده في غير البر، كقوله زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا، وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ومما يبعد حمله على أعمال البر: إضافة الأعمال إليهم في قوله أَعْمالَهُمْ وأعمال البر ليست مضافة إليهم، لأنهم لم يعملوها قط، فظاهر الاضافة يعطى ذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وقوله قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ فأطلق الايمان في المكانين عن إضافته إليهم لأنه لم يصدر منهم، وأضاف الإسلام الظاهر إليهم، لأنه صدر منهم، والله أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout