رَوَى أَنَّهُمْ طَعَنُوا فِي النُّسَخِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَوْنَ إلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ، ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلَافِهِ، وَيَقُولُ الْيَوْمُ قَوْلًا وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا؟ فَنَزَلَتْ. وَقُرِئَ (ما نََنْسَخْ مِنْ آيَةٍ وَمَا نَنْسَخُ: بِضَمِّ النُّونِ، مِنْ أَنْسَخَ. أَوْ نَنْسَأَهَا. وَقُرِئَ (نُنْسِها) وننَسَهَا بِالتَّشْدِيدِ. وَتَنَسُّهَا وَتَنَسُّهَا، عَلَى خِطَابِ رَسُولِ اللََّّه صلى الله عليه وسلم. وَقَرَأَ عَبْدُ اللََّّه. ما نَنْسِكَ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَخُهَا وَقَرَأَ حُذَيْفَةَ: مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسُكَهَا. وَنَسَخِ الْآيَةَ: إِزَالَتُهَا بِإِبْدَالِ أُخْرَى مَكَانَهَا وَإِنْسَاخُهَا.
الأَمْرُ بِنَسْخِهَا، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يَجْعَلَهَا مَنْسُوخَةً بِالْإِعْلَامِ بِنَسْخِهَا.
وَنَسْؤُهَا، تَأْخِيرُهَا وَإِذْهَابِهَا. لَا إِلَى بَدَلٍ. وَإِنْسَاؤُهَا أَنّْ يَذْهَبَ بِحِفْظِهَا عَنِ الْقُلُوبِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ يَذْهَبُ بِهَا عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْمَصْلَحَةُ مِنْ إِزَالَةِ لَفْظِهَا وَحُكْمِهَا مَعًا، أَوْ مِنْ إِزَالَةِ أَحَدِهِمَا إِلَى بَدَلٍ أَوْ غَيْرِ بَدَلٍ نََأَْتِ بِآيَةٍ خَيْرٍ مِنْهَا لِلْعِبَادِ، أَى بِآيَةِ الْعَمَلِ بِهَا أَكْثَرُ لِلثَّوَابِ أَوْ مِثْلِهَا فِي ذَلِكَ عََلِى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَهُو يَقْدِرُ عَلَى الْخَيْرِ، وَمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَعَلَى مِثْلِهِ فِي الْخَيْرِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَهُو يَمْلِكُ أُمُورَكُمْ وَيُدَبِّرُهَا وَيَجْرِيهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَصْلِحُكُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَتَعَبَّدُكُمْ بِهِ مِنْ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ. لِمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ مَالِكٌ أُمُورَهُمْ وَمُدَبَّرُهَا عَلَى حَسَبِ مَصَالِحِهِمْ مِنْ نُسَخِ الْآيَاتِ وَغَيْرِهِ، وَقَرَّرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) أَرَادُ أَنْ يُوصِيَهُمْ بِالثِّقَةِ بِهِ فِيمَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُمْ مِمَّا يَتَعَبَّدُهُمْ بِهِ وَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ وَأَنْ لَا يَقْتَرِحُوا عَلَى رَسُولِهِمْ مَا اقْتَرَحَهُ آبَاءُ الْيَهُودِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ عَاقِبَتُهَا وَبَالَا عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِمْ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهَا، أَرْنَا اللََّّه جُهْرةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وََمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ ومَنْ تَرَكَ الثِّقَةُ بِالْآيَاتِ الْمَنْزِلَةِ، وَشَكَّ فِيهَا، وَاقْتَرَحَ غَيْرُهَا فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ روِى أَنَّ فَنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ وَزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ وَنَفَرًٌا مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَمَّارُ بْنِ يَاسِرٍ بَعْدَ وَقْعَةِ أَحَدٍ: أَلَمْ يَرَوْا مَا أَصَابَكُمْ. وَلَوْ كُنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ مَا هَزَمْتُمْ، فَارْجِعُوا إِلَى دِينِنَا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَفْضَلُ، وَنَحْنُ أَهْدَى مِنْكُمْ سَبِيلًاً فَقَالَ عَمَّارٌ: كَيْفَ نَقْضَ الْعَهْدِ فِيكُمْ؟ قَالُوا شَدِيدٌ. قَالَ: فَإِنِّى قَدْ عَاهَدْتُ أَنْ لَا أَكْفِّرَ بِمُحَمَّدٍ مَا عَشْت: فَقَالَتْ الْيَهُودُ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَبَّأَ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ رَضِيْتُ بِاللََّّه ربا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبْيًّا، وَبِالْإِسْلَاَمِ دِيْنًا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةُ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانَا. ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللََّّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: أَصَبْتُمَا خَيْرًا وَأَفْلَحْتُمَا «َ١» . فَنَزَلَتْ. فَإِنْ قُلْت: بِمَ تَعَلَّقْ قَوْلُهُ: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ؟ «٢» قُلت: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بَوْدًّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوَا
1 (١) . لم أجده مسندًا. وهو في تفسير الثعلبي كذلك بلا سند ولا راو. (٢) . قال محمود رحمه الله: «إن قلت: بم تعلق قوله من عند أنفسهم … الخ؟» . قال أحمد رحمه الله: يبعد الوجه الثاني دخول عند. ويقرب الأول قوله تعالى: (تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout