وَسُؤَالُ النَّظْرَةِ فِيهِ فِي الْوُجُودِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى تَرَتَّبُهَا فِي الشَّدّْةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ حَتَّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمْ لِلْعَذَابِ فَمَا هُوَ أَشَدُّّ مِنْهَا وَهُوَ لُحُوقِهِ بِهِمْ مُفَاجَأَةٌ، فَمَا هُوَ أَشَدُّّ مِنْهُ وَهُوَ سُؤَالُهُمْ النَّظْرَةُ. وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ لِمَنْ تَعَظَّهُ: إنْ أَسَاتَ مُقْتَكِ الصَّالِحُونَ فَمَقْتَك اللَّهَ، فَإِنَّك لَا تَقْصِدُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّّ مَقَّتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقَّتِ الصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا قَصَدَك إلَى تَرْتِيبِ شَدَّّةِ الْأَمْرِ عَلَى الْمَسِيءِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الْإِسَاءَةِ مُقَّتَ الصَّالِحِينَ، فَمَا هُوَ أَشَدُّّ مِنْ مُقْتِهِمْ:
وَهُوَ مَقْتُ اللَّهِ، وَتَرَى ثُمَّّ يَقَعُ فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ فَيَحِلُّ مَوْقِعُهُ أََفََبِعَذَابِنا يَسْتَعْجِلُونَ تَبْكِيتُ لَهُمْ بِإِنْكَارِ وَتَّهَكُمٍ، وَمَعْنَاهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ الْعَذَابَ مَنْ هُوَ مُعْرِضٌ لِعَذَابٍ يَسْأَلُ فِيهِ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ فِيهِ الْيَوْمُ مِنْ النَّظْرَةِ وَالْإِمْهَالِ طَرْفَةُ عَيْنٍ فَلَاَ يُجَابُ إِلَيْهَا. وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا حِكَايَةَ تَوْبِيخٍ يُوبِخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظَارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَيَسْتَعْجِلُونَ على هَذَا الْوَجْهِ حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةً. وَوَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٍ بِمَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ أَنَّّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْعَذَابِ إِنَّمَا كَانَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ وَلَا لَاَ حَقَّ بِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُمْتَعُونٌ بِأَعْمَارِ طَوَالٍ فِي سَلَامَةٍ وَأَمْنَ، فَقَالَ تَعَالَى: أَفَبَعْذَابُنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَشَرًا وَبَطْرًا وَاسْتِهْزَاءً وَاتِّكَالًا عَلَى الْأَمَلِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ قَالَ: هَبْ أَنَّّ الْأَمْرَ كَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ تَمْتِيعِهِمْ وَتَعْمِيرِهِمْ، فَإِذَا لَحِقَهُمْ الْوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنْفَعُهُمْ حِينَئِذٍ مَا مَضَى مِنْ طُولِ أَعْمَارِهِمْ وَطِيبِ مَعَايِشِهِمْ. وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: أَنَّهُ لَقِى الْحَسَنُ فِي الطَّوَافِ وَكَانَ يَتَمَنَّى لِقَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: عَظَنِي، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ. فَقَالَ مَيْمُونٌ: لَقَدْ وَعَظْتُ فَأَبْلَغْتُ. وَقُرِئَ: يَمْتَعُونَ، بِالتَّخْفِيفَ.
[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩]
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩)
مُنْذِرُونَ رسل ينْذُرُونَهُمْ ذِكْرِى مَنْصُوبَةً بِمَعْنَى تَذْكِرَةٍ، إِمّا لِأَنَّ «َأْنْذَرَ، وَذَكَرَ»َ مُتَقَارِبَانِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً. وَإِمّْا لِأَنَّهَا حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُنْذِرُونَ أَى، يُنْذُرُونَهُمْ ذَوَى تَذْكِرَةً. وَإِمّْا لِأَنَّهَا مَفْعُولٌ لَهُ، عَلَى مَعْنًى: أَنَّهُمْ يَنْذُرُونَ لِأَجْلِ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّذْكِرَةِ. أَوْ مَرْفُوعَةً عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٌ، بِمَعْنَى: هَذِهِ ذِكْرَى. وَالْجُمْلَةُ اعْتِرَاضِيَّةً. أَوْ صِفَةٌ بِمَعْنًى: مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرَى. أَوْ جَعَلُوا ذُكْرَى لِإِمْعَانِهِمْ فِي التَّذْكِرَةِ وَإِطْنَابِهِمْ فِيهَا. وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرًى مُتَعَلِّقَةً بِأَهْلِكَنَا مَفْعُولًا لَهُ. وَالْمَعْنَى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ ظَالِمِينَ إِلَّاَّ بَعْدَ مَا أَلْزَمْنَاهُمُ الْحُجَّةَ بِإِرْسَالِ الْمُنْذِرِينَ إِلَيْهِمْ، لِيَكُونَ إِهْلَاَكُهُمْ تَذْكِرَةً وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، فَلَا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيَانِهِمْ وََما كُنَّا ظالِمِينَ فَنَهْلُكَ قَوْمًا غَيْرَ ظَالِمِينَ. وَهَذَا الْوَجْهُ عَلَيْهِ الْمُعَوَّّل. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ عَزَلْتُ الْوَاوُ عَنِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ «َإِلَا»ٍ وَلَمْ تَعْزِلْ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ وََما أََهِْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ؟
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout