[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ (٢٦): الآيات ١٦٨ الى ١٧٥]
قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢)
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)
ومِنَ الْقالِينَ أَبْلَغُ مِنَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّى لِعَمَلِكُمْ قَالَ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَيَكُونُ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِكَ: فُلَانٌ عَالِمً، لِأَنَّكَ تَشْهَدُ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعْدُودًا فِي زَمْرَتِهِمْ، وَمَعْرُوفَةِ مُسَاهَمَتِهِ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ: مِنَ الْكَامِلِينَ فِي قِلاكُمَ. وَالْقَلَى: الْبُغْضُ الشَّدِيدِ، كَأَنَّهُ بَغْضٌ يُقْلَى الْفُؤَادَ وَالْكَبْدَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى عِظْمِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْمُرَادُ: الْقَلَى مِنْ حَيْثُ الدَّيْنُ وَالتَّقْوَى، وَقَدْ تَقْوَى هِمَّةُ الدِّّينِ فِي دِينِ اللَّهِ حَتَّى تَقْرُبَ كَرَاهَتُهُ لِلْمَعَاصِي مِنْ الْكَرَاهَةِ الْجَبَلِيَّةِ مَِمَّا يَعْمَلُونَ مِنْ عُقُوبَةِ عَمَلِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالتَّنْجِيَةِ: الْعِصْمَةَ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فََنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا؟ قُلت: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَصَمُهُ وَأَهْلُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّاَّ الْعَجُوزَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْصُومَةٍ مِنْهُ، لِكَوْنِهَا رَاضِيَةً بِهِ وَمُعَيَّنَةٌ عَلَيْهِ وَمُحْرَّشَةً، وَالرَّاضِي بِالْمَعْصِيَةِ فِي حُكْمِ الْعَاصِي. فَإِنْ قُلْت: كَانَ أَهْلُهُ مُؤْمِنِينَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَّا طَلَبَ لَهُمْ النَّجَاةَ، فَكَيْفَ اُسْتَثْنِيْتُ الْكَافِرَةُ مِنْهُمْ:
قُلْتُ الِاسْتِثْنَاءُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ الْأَهْلِ وَفِي هَذَا الِاسْمِ لَهَا مَعَهُمْ شَرِكَةٌ بِحَقِّ الزَّوَاجِ وَإِنْ لَمْ تُشَارِكْهُمْ فِي الإِيمَانِ.
فَإِنْ قُلْت: فَِي الْغَابِِرِينَ صِفة لهَا، كَأَنَّهُ قِيل: إِلاَّ عَجُوزًا غَابِرَةً، وَلَمْ يَكُنْ الْغُبُورُ صِفَتَهَا وَقْتَ تَنْجِيَتِهِمْ «١» قُلْت: مَعْنَاهُ إِلَّاَّ عَجُوزًا مُقَدَّّرًا غُبُورُهَا. وَمَعْنَى الْغَابِرِينَ فِي الْعَذَابِ وَالْهَلَاَكِ: غَيْرُ النَّاجِينَ.
قِيل: إِنَّهَا هَلَكَتْ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ بِمَا أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحِجَارَةِ. وَالْمُرَادُ بِتَدْمِيرِهِمْ: الِائْتِفَاكُ بِهِمْ، وَأَمَّّا الْإِمْطَارُ: فَعَنْ قَتَادَةَ: أَمْطَرَ اللَّهُ عَلَى شَذَاذِ الْقَوْمِ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَهُمْ. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: لَمْ يَرْضَ بِالِائْتِفَاكِ حَتَّى أَتْبِعَهُ مَطَرًّا مِنْ حِجَارَةٍ. وَفَاعِلٌ فََسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ولم يَرَدِّ
1 (١) . قال محمود: «المجرور صفة لها، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم. قلت: معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها، أى: في الهلاك والعذاب» قال أحمد: وإن تعجلت برفع القاعدة الممهدة آنفا، فاعلم أن السر الذي اقتضى العدول عن أن يقول مثلا: إلا عجوزا غابرة إلى ما ذكر في المتلوّ: هو أن المذكور في التلاوة يقتضى الاسجال عليها بأنها من أمة موسومين بهذه السمة من الهلاك كما قدمته الآن، فهو أبلغ من مجرد وصفها بالغبور، والله أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout