فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ وَأَيْنَ عَنْ فِرْعَوْنٍ وَمِلْئِهِ الْإِيقَانُ؟ قُلْت: مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ يُرْجَى مِنْكُمْ الْإِيقَانَ الَّذِي يُؤَدَّى إِلَيْهِ النَّظَرُ الصَّحِيحُ نَفْعَكُمْ هَذَا الْجَوَابَ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْ.
أَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُوْقِنِينَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَهَذَا أَوْلَى مَا تَوَقَّنُونَ بِهِ، لِظُهُورِهِ وَإِنَارَةِ دَلِيلِهِ.
[سورة الشعراءُ (٢٦): الآيات ٢٥ الى ٢٨]
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)
فإن قُلت: ومَنْ كَانَ حَوْلُهُ؟ قُلْت: أَشْرَافُ قَوْمِهِ قِيلَ: كَانُوا خَمْسَمِائَةِ رَجُلٌ عَلَيْهِمْ الْأَسَاوِرَ وَكَانَتْ الْمُلُوكُ خَاصَّةً. فَإِنْ قُلْت: ذِكَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا قَدْ اسْتَوْعِبَ بِهِ الْخَلَائِقُ كُلُّهَا، فَمَا مَعْنَى ذِكْرِهِمْ وَذَكَرَ آبَائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبُ؟ قُلْت: قَدْ عَمَّمَ أَوّْلا، ثُمَّ خَصَّصَ مِنْ الْعَامِّ لِلْبَيَانِ أَنْفُسَهُمْ وَآبَاءَهُمْ. لِأَنَّ أَقْرَبَ الْمَنْظُورِ فِيهِ مِنْ الْعَاقِلِ نَفْسِهُ وَمِنْ وَلَدَ مِنْهُ، وَمَا شَاهَدَ وَعَايِنٌ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى الصَّانِعِ، وَالنَّاقِلِ مِنْ هَيْئَةٍ إِلَى هَيْئَةٍ وَحَالَ إِلَى حَالٍ مِنْ وَقْتِ مِيلَادِهِ إِلَى وَقْتِ وَفَاتِهِ، ثُمَّ خَصَّصَ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبَ، لِأَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ أَحَدِ الْخَافِقِينَ وَغُرُوبِهَا فِي الْآخَرِ عَلَى تَقْدِيرِ مُسْتَقِيمٍ فِي فُصُولِ السُّنَّةِ وَحِسَابٌ مَسْتُوٍ مِنْ أَظْهَرِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَلِظُهُورِهِ انْتَقَلَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ خَلِيلُ اللَّهِ، عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى نَمْرُوذِ بْنِ كَنْعَانَ، فَبِهْتْ الَّذِي كَفَرَ. وَقُرِئَ: رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ. الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْكُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ قَالَ أَوّْلا إِِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ وَآخِرًا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ؟ قُلت: لاَيْنَ أَوّْلاَ، فَلَمَّا رَأَى مِنْهُمْ شَدَّّةُ الشَّكِيمَةِ «١» فِي الْعِنَادِ وَقِلَّةِ الْإِصْغَاءِ إِلَى عَرْضِ الْحَجَجِ خَاشِنٌ وَعَارِضٌ: إِنَّّ رَسُولُكُمْ لَمَجْنُونٍ، بِقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)
فإن قُلت: أَلم يَكُنَّ: لَأَسْجَنَنَّكَ، أَخْصَرُ مِنْ لَِأََجِْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ومُؤَدِّيًا مُؤَدَّاهُ؟ قُلْتَ:
أَمَّا أَخْصَرُ فَنَعَمْ. وَأَمَّا مُؤَدٍّّ مُؤَدَّّاهُ فَلاَ، لِأَنَّّ مَعْنَاهُ: لَأَجْعَلَنَّكَ وَاحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتُ حَالُهُمْ فَي
1 (١) . قوله شدة الشكيمة، في الصحاح: فلان شديد الشكيمة، إذا كان شديد النفس أنفا أبيا. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout